نظرة عامة موضوعية: أسس "المدينة الجماعية" والمرونة الحضرية

هذا المقال مقتبس من محاضرة البروفيسور فرانسيسكو سانين ضمن سلسلة حديث التصميم التي تقدمها آركي نت.

يستعرض المقال مفهوم المدينة الجماعية بوصفها مشروعاً مستمراً يتشكل من خلال الحوكمة، والمشاركة، والتفاوض بين السكان والمؤسسات والمصممين، كما يناقش العلاقة بين العدالة المكانية، والمرونة الحضرية، وجودة الحياة، والدور المتغير للمعماري من مصمم منفرد إلى وسيط يساهم في تمكين المجتمع.


لا تُبنى المدن من خلال القرارات الهندسية المنفردة وحدها، ولا تُختزل العمارة في إنتاج المباني والأشكال. فالمدينة نتاج عملية اجتماعية وسياسية واقتصادية طويلة، تتداخل فيها مصالح السكان والمؤسسات وصناع القرار والمصممين.

وفي قلب هذه العملية يظهر ما يصفه البروفيسور فرانسيسكو سانين بـ الخيط الأحمر (The Red Thread)، أي العنصر الذي يربط بين العمران والمجتمع ويمنح المشاريع الحضرية قدرتها على الاستمرار والتأثير، وهو الحوكمة (Governance).

فالمدن ليست نتيجة مصادفات هندسية أو تعبيرات فردية، بل هي مساعٍ جماعية تتطلب أدوات تتجاوز الرسم والتشكيل، لتشمل التفاوض، والاستماع، وبناء الثقة، والتمكين، وصناعة الأطر التي تسمح لأطراف متعددة بالمشاركة في تشكيل المكان.

المدينة ليست منتجاً نهائياً يصنعه فرد واحد، بل مشروع جماعي يتغير باستمرار من خلال التفاوض بين الناس والمكان والمؤسسات.

1. ما هي المدينة الجماعية؟

تُعرّف المدينة الجماعية (Collective City) بأنها كيان حي يتشكل من خلال تضافر الجهود، ولا يمكن بناؤه أو إدارته باعتباره مشروعاً فردياً مغلقاً.

فالمدينة الجماعية تنشأ من قدرة السكان، والمؤسسات، والمخططين، والمصممين، والجهات العامة والخاصة على العمل ضمن إطار مشترك، يسمح بتبادل المعرفة والتفاوض حول الأولويات وتطوير حلول قابلة للتغير مع الزمن.

وهنا يبرز مفهوم القدرة على الفعل (Agency)، والذي لا يعني مجرد تنفيذ الأعمال، بل يشير إلى القدرة على الحشد والعمل الجماعي (Capacity of Action to Mobilize) من أجل إحداث تغيير حقيقي في المدينة.

إن امتلاك المجتمع لهذه القدرة يعني ألا يكون السكان مجرد متلقين للقرارات، بل شركاء في تحديد المشكلات، وتصور البدائل، واتخاذ القرارات، وتنفيذ التحولات التي تمس حياتهم اليومية.

المكونات الستة للمدينة الجماعية

يرتكز مفهوم المدينة الجماعية على ستة مكونات مترابطة، تشكل معاً الأساس الذي تنمو من خلاله الحياة الحضرية:

المكوّن دوره في المدينة الجماعية
الذاكرة (Memory) السجل التاريخي والاجتماعي الذي يربط المجتمع بهويته ومكانه، ويحفظ التجارب المتراكمة عبر الزمن.
الخيال (Imagination) القدرة الجماعية على تصور بدائل مستقبلية تتجاوز القوالب النمطية والحلول الجاهزة.
المكان (Space) الحيز الفيزيائي الذي يحتضن العلاقات الإنسانية، ويتيح للناس اللقاء والتفاعل والعمل المشترك.
المعيشة (Living) الأنشطة اليومية التي تمنح المدينة نبضها، بدءاً من السكن والعمل وصولاً إلى التعليم والترفيه والتواصل الاجتماعي.
الثقافة (Culture) القيم والعادات والممارسات المشتركة التي تتحول إلى أنماط استخدام وقرارات عمرانية.
المناظر الطبيعية (Landscape) العلاقة العضوية بين النسيج الحضري والبيئة الطبيعية والتضاريس والمياه والنباتات المحيطة.

إن فهم هذه المكونات يجعلنا ننظر إلى المدينة ليس بوصفها كتلة صلبة مكتملة، بل عملية تفاوضية مستمرة بين احتياجات الأفراد، وطموحات المؤسسات، وحقوق المجتمع، وخصائص المكان.


2. المدينة كمساحة للتفاوض بين الخاص والعام

المدينة في جوهرها مساحة للتفاوض بين فاعلين متعددين، لكل منهم احتياجاته ومصالحه وقراءته الخاصة للمكان. فالعمارة لا تعمل هنا كغاية مستقلة، بل كأداة للوساطة بين الخصوصية الفردية والمصلحة العامة.

يحتاج الإنسان إلى منزل يحقق له الأمان والخصوصية والانتماء، لكنه يحتاج أيضاً إلى شوارع وميادين وحدائق ومؤسسات عامة تمنحه فرصة التفاعل والمشاركة في الحياة الجماعية.

ومن هنا تظهر أهمية الوساطة المعمارية، أي تصميم المساحات والحدود والمناطق الانتقالية بطريقة لا تفصل الفرد عن المجتمع، ولا تذيب خصوصيته داخل المجال العام.

وجه المقارنة الفضاء الخاص الفضاء العام التفاوض الناجح
الغرض توفير الأمان والخصوصية والاستقرار الفردي والأسري. تعزيز التضامن والتبادل الاجتماعي والانتماء للمجتمع. إنشاء مناطق انتقالية، مثل الأفنية والممرات المشتركة، تدمج الفرد بالمجتمع دون إلغاء خصوصيته.
التحدي خطر العزلة الاجتماعية والانفصال عن الحياة العامة. خطر التهميش أو فقدان الهوية والانتماء المحلي. حماية السكان من التهجير عبر التمكين المالي والقانوني، وضمان مشاركتهم في تطوير أحيائهم.
النموذج التطبيقي نموذج المجمعات السكنية الكورية المعروفة باسم (Apart). البنية التحتية الاجتماعية، والميادين، والمكتبات، ومراكز المجتمع. تجربة مونتيري في المكسيك، من خلال توفير منظومة بناء مرنة وخبرة مالية تساعد السكان على تطوير أراضيهم والبقاء فيها اقتصادياً.

توضح تجربة مونتيري أن التفاوض الحضري لا يقتصر على الشكل المعماري، بل يمتد إلى التمويل والملكية والقدرة على البقاء في المكان.

فمن خلال توفير مجموعة أدوات جاهزة (Kit of Parts) والمعرفة الفنية والمالية اللازمة، أمكن للسكان بناء وحداتهم وتطويرها تدريجياً، والوصول بها إلى عدة طوابق وفق احتياجاتهم وإمكاناتهم.

وبذلك أصبح المشروع أداة لتمكين السكان اقتصادياً واجتماعياً، بدلاً من أن يكون سبباً في إزاحتهم أو استبدالهم بفئات أكثر قدرة على تحمل تكاليف التطوير.

نجاح المشروع الحضري لا يُقاس فقط بجودة مبانيه، بل بقدرته على حماية حق السكان في البقاء والمشاركة والاستفادة من قيمة التطوير.

3. المرونة الحضرية: ما وراء البعد البيئي

غالباً ما يرتبط مفهوم المرونة الحضرية (Urban Resilience) في النقاشات المعاصرة بمواجهة الكوارث والتغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، إلا أن المرونة أوسع من الجانب البيئي وحده.

فالمدينة المرنة هي التي تستطيع الحفاظ على قيمها الجوهرية وشخصيتها الاجتماعية والعمرانية، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتقنية والديموغرافية والبيئية.

ويرتبط ذلك بصورة مباشرة بعامل الزمن؛ فما نبنيه اليوم بوصفه مشروعاً جديداً سيصبح في المستقبل جزءاً من النسيج القديم، وقد تتغير وظائفه ومستخدِموه والظروف المحيطة به.

لذلك لا ينبغي تصميم المباني والأحياء بوصفها منتجات نهائية مغلقة، بل هياكل مرنة قادرة على الاستيعاب، والتغيير، وإعادة الاستخدام، والتطور مع احتياجات المجتمع.

المرونة هي القدرة على الحفاظ على القيم الجوهرية والشخصية عبر الزمن، مع الاستجابة المستمرة للتحولات الجديدة.

ومن هذا المنظور، ترتبط المرونة الحضرية بثلاثة أبعاد رئيسية لا يمكن فصل أحدها عن الآخر:

  • العدالة المكانية (Spatial Justice): ضمان الوصول العادل إلى الخدمات، والنقل، والتعليم، والفضاءات العامة، والفرص الاقتصادية.
  • الاستدامة البيئية: تقليل الأثر البيئي للمدينة وتحسين كفاءة الموارد والطاقة، وحماية النظم الطبيعية.
  • جودة الحياة: توفير بيئة حضرية آمنة وصحية وشاملة تدعم الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية.

ولا يمكن تحقيق استدامة بيئية حقيقية داخل مجتمع يعاني من الإقصاء وعدم المساواة، كما لا يمكن بناء مدينة مرنة إذا ظل السكان خارج عملية اتخاذ القرار.

فالمرونة لا تُفرض من الأعلى فقط، بل تُبنى من خلال مشاركة المجتمع، وقدرته على تنظيم نفسه، وحماية مصالحه، وتطوير أدوات الاستجابة للتغير.


4. دراسات حالة في التحول الحضري: من الكمية إلى النوعية

تكشف التجارب الدولية أن التحول الحضري لا يتطلب دائماً مشروعات ضخمة أو إزالة كاملة للنسيج القائم. ففي كثير من الحالات، يمكن لتدخلات محددة ومدروسة أن تعمل بوصفها تدخلات محفزة (Catalytic Interventions) تقود إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية أوسع.

أولاً: متنزهات المكتبات في مديين

تقدم مدينة مديين في كولومبيا نموذجاً مهماً في تحويل المناطق المتأثرة بالعنف والعزلة إلى مراكز للتعليم والثقافة والتفاعل الاجتماعي.

فحين عبّر السكان عن حاجتهم إلى ملاعب كرة القدم، لم تُرفض مطالبهم، بل أعيدت صياغتها من خلال عملية تفاوض أوسع قادها عمدة المدينة سيرخيو فاجاردو، حيث تم دمج الملاعب مع المكتبات ومراكز التعليم والمعرفة.

هنا لم يكن دور المعماري أن يفرض فكرة بديلة على المجتمع، بل أن يعمل وسيطاً يساعد في توسيع تعريف الاحتياج، بحيث لا يقتصر على الترفيه، بل يشمل التعليم والفرص المستقبلية والحق في المعرفة.

وقد ساهمت هذه المراكز في إعادة تعريف صورة الأحياء، وتحويلها من مناطق هامشية مرتبطة بالعنف إلى مراكز للابتكار والتعلم والانتماء.

ثانياً: أنظمة النقل المتكاملة في مديين

شكل نظام التلفريك في مديين تدخلاً حضرياً تجاوز دوره بوصفه وسيلة نقل، ليصبح أداة لتحقيق العدالة المكانية.

فقد ساهم ربط المناطق المرتفعة والعشوائية بقلب المدينة، من خلال شبكة نقل متكاملة وتذكرة موحدة، في تقليل العزلة الجغرافية والاجتماعية، وتحسين وصول السكان إلى العمل والتعليم والخدمات.

كما أدى الربط إلى دعم الاقتصاد المحلي وفتح مساحات جديدة للتفاعل بين الأحياء الطرفية والمركز الحضري.

ثالثاً: معماري المدينة في سيول

تجسد تجربة منصب معماري المدينة في سيول تحولاً مؤسسياً من التركيز على كمية البناء إلى الاهتمام بجودة البيئة الحضرية.

فعلى مدى عقود، هيمنت المجمعات السكنية المتشابهة والأبراج المعروفة باسم (Apart) على أجزاء واسعة من المدينة، وهو ما وفر أعداداً كبيرة من الوحدات السكنية، لكنه أضعف التنوع والهوية والعلاقة الإنسانية مع الفضاء العام.

جاء دور معماري المدينة ليعيد طرح أسئلة تتعلق بجودة الشوارع، والمساحات العامة، والاتصال بين الأحياء، وتجربة المشاة، والذاكرة الحضرية.

ومن بين المشاريع البارزة إعادة توظيف بعض البنى التحتية والطرق المرتفعة وتحويلها إلى مسارات وحدائق عامة، بما يعيد المساحات إلى الناس ويمنح المدينة طبقات جديدة من الحياة.

رابعاً: قرية بيكسا في سيول

تقدم قرية بيكسا نموذجاً مختلفاً عن سياسات الهدم الكامل وإعادة التطوير التي تؤدي غالباً إلى تهجير السكان وفقدان النسيج الاجتماعي.

بدلاً من إزالة القرية واستبدالها بمجمعات حديثة، تم اختبار نموذج يقوم على الحفاظ على الشخصية (Character Preservation)، من خلال احترام التضاريس والنسيج العمراني والعلاقات الاجتماعية القائمة.

يهدف هذا النهج إلى تطوير المكان تدريجياً وتحسين ظروف السكن والخدمات دون محو ذاكرته أو قطع علاقة السكان بأحيائهم.

دراسة الحالة التدخل القيمة الحضرية
متنزهات المكتبات في مديين دمج الملاعب بالمكتبات ومراكز التعليم. تحويل المعرفة إلى حق عام، ودعم الأحياء المتأثرة بالعنف والتهميش.
تلفريك مديين ربط المناطق الطرفية والمرتفعة بشبكة النقل العامة. تحقيق العدالة المكانية وتقليل العزلة ودعم الاقتصاد المحلي.
معماري مدينة سيول إعادة توجيه السياسات من كمية البناء إلى جودة الفضاء العام. إعادة الروح الإنسانية للمدينة وتحسين تجربة المشاة والحياة العامة.
قرية بيكسا التطوير التدريجي بدلاً من الهدم والتهجير. حماية الشخصية العمرانية والنسيج الاجتماعي وذاكرة المكان.

5. الدور الجديد للمعماري والمخطط: من المصمم إلى الوسيط

في فلسفة المدينة الجماعية، لا تُعد العمارة مجالاً للتعبير الفردي فقط، ولا وسيلة لبناء نصب تذكارية تحمل توقيع المصمم، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تجاه الجمهور.

ومن هنا ينتقل دور المعماري من المصمم الأوحد إلى الوسيط (Moderator) الذي يجمع الأطراف المختلفة، ويستمع إلى احتياجاتها، ويساعدها على صياغة رؤية مشتركة.

لا يعني ذلك تراجع أهمية المعرفة التصميمية، بل توسيع نطاقها. فالمعماري لم يعد مسؤولاً فقط عن إنتاج الشكل، وإنما أيضاً عن تصميم العملية التي ينتج من خلالها هذا الشكل.

وبدلاً من فرض قوالب جامدة، يقوم المصمم بإعداد أطر عمل (Frameworks) مرنة تسمح للسكان والمؤسسات والمطورين والمستخدمين بالمشاركة والتعديل والابتكار بمرور الزمن.

مهارات المعماري في المدينة الجماعية

  • القدرة على الاستماع: فهم احتياجات السكان الفعلية، وليس فقط ما يُفترض أنهم يحتاجونه، وذلك من خلال اللقاءات وورش العمل والحوارات المفتوحة.
  • تحفيز الخيال الجماعي: استخدام ورش العمل الخيالية لمساعدة المجتمع على تصور سيناريوهات مستقبلية متعددة.
  • فهم السياسة: إدراك آليات اتخاذ القرار، وتوزيع السلطة، ودور الجهات العامة والخاصة في إنتاج المدينة.
  • فهم الاقتصاد والتمويل: تطوير حلول قابلة للتنفيذ، ومعرفة أثر الملكية والتمويل وقيمة الأرض في بقاء السكان أو تهجيرهم.
  • إدارة التفاوض: التوفيق بين المصالح المتعارضة، وصياغة حلول تحقق أكبر قدر ممكن من العدالة والتوازن.
  • تصميم العمليات: تحديد كيفية مشاركة المجتمع في مراحل المشروع، ومن يشارك، ومتى، وما الصلاحيات التي يمتلكها.
  • التصميم طويل الأمد: إنشاء مبانٍ وأحياء قابلة للنمو والتغيير وإعادة الاستخدام، بدلاً من إنتاج حلول مغلقة.
المعماري الناجح لا يصمم كل شيء بنفسه، بل يصمم الإطار الذي يسمح للآخرين بالمشاركة والإبداع وصناعة المكان.

6. الحوكمة بوصفها الخيط الذي يربط المدينة

تمثل الحوكمة البنية التي تنظم العلاقة بين جميع الفاعلين في المدينة. فهي تحدد من يمتلك حق اتخاذ القرار، وكيف تُوزع الموارد، ومن يستفيد من التنمية، ومن يتحمل تكاليفها.

ولا تعني الحوكمة الإدارة الحكومية وحدها، بل تشمل المؤسسات العامة والخاصة، والمجتمعات المحلية، والمطورين، والأكاديميين، والجمعيات، والمصممين، وجميع الأطراف التي تؤثر في تشكيل البيئة المبنية.

كل مشروع حضري هو في جوهره مشروع حوكمة، لأن القرارات المتعلقة بالموقع والتمويل والملكية والاستخدام والحركة والفضاء العام تحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المدينة.

وحين تغيب الحوكمة العادلة، قد تتحول مشروعات التطوير إلى أدوات للإقصاء والتهجير وزيادة الفجوة بين الفئات. أما عندما تكون الحوكمة تشاركية، فإن التطوير يصبح وسيلة لرفع جودة الحياة وتمكين السكان.

أسئلة أساسية يجب أن يطرحها كل مشروع حضري:
  • من يحدد احتياجات المشروع وأولوياته؟
  • من يشارك في اتخاذ القرار؟
  • من يستفيد اقتصادياً واجتماعياً من التطوير؟
  • هل يستطيع السكان الحاليون البقاء في المكان بعد تطويره؟
  • كيف يمكن تعديل المشروع مع تغير الاحتياجات؟
  • هل يحافظ المشروع على ذاكرة المكان وشخصيته؟

7. المدينة كمشروع مستمر

المدينة ليست منتجاً نهائياً يمكن الانتهاء منه وتسليمه، بل مشروع مستمر يتنفس ويتغير ويعيد تشكيل نفسه مع مرور الزمن.

وتتغير المدينة نتيجة تحولات السكان والاقتصاد والتقنيات وأنماط العمل والحركة والمناخ والثقافة. ولذلك فإن التخطيط الناجح لا يحاول تثبيت المستقبل في صورة واحدة، بل يضع إطاراً يسمح لسيناريوهات متعددة بالتطور.

من هنا تصبح المرونة جزءاً أساسياً من التصميم، سواء على مستوى المبنى أو الحي أو المدينة. فالفراغات التي يمكن تغيير استخدامها، والمباني القابلة للتوسع، والأحياء متعددة الوظائف، والبنى التحتية التي تستوعب التطور، جميعها عناصر تمنح المدينة القدرة على الاستمرار.

كما أن حماية ذاكرة المكان لا تعني تجميده أو منع التغيير، بل فهم خصائصه الجوهرية وتطويره دون محو علاقاته الاجتماعية والثقافية.


المبادئ الذهبية للمصمم الحضري

1. صمّم الإطار لا القالب

ينبغي ألا يكون المخطط الشامل (Master Plan) صورة ثابتة تفرض شكلاً نهائياً على المدينة، بل إطار عمل مرناً يحدد المبادئ الأساسية، ويترك مساحة للسكان والفاعلين الآخرين للمشاركة والتعديل والابتكار.

فالإطار الجيد يحدد العلاقات، والمساحات العامة، وشبكات الحركة، والحقوق، والحدود الأساسية، لكنه لا يغلق الباب أمام النمو والتغير.

2. انتقل من الكمية إلى النوعية

لا يكفي قياس نجاح المدينة بعدد الوحدات أو الأبراج أو الطرق التي تم إنشاؤها. فالأولوية يجب أن تكون لجودة الحياة، وسهولة الوصول، وثراء الفضاء العام، وتعددية الاستخدامات، وقدرة الناس على الالتقاء والمشاركة.

فالنوعية هي الضمان الحقيقي لاستدامة المدينة، لأنها تربط العمران بحياة السكان اليومية، ولا تختزله في الأرقام والمؤشرات الكمية.

3. كن وسيطاً فاعلاً

يتطلب العمل الحضري تعلم لغة المجتمع والسياسة والاقتصاد، والقدرة على تحويل المصالح المختلفة إلى مشروع مشترك.

فالمعماري الناجح هو من يستطيع ترجمة الخيال الجماعي إلى واقع فيزيائي، دون أن يلغي صوت السكان أو يفرض عليهم رؤية منفصلة عن احتياجاتهم.

المبدأ التحول المطلوب النتيجة
صمّم الإطار لا القالب من المخطط المغلق إلى منظومة مرنة قابلة للتطور. السماح بالمشاركة والتغيير والابتكار عبر الزمن.
انتقل من الكمية إلى النوعية من التركيز على أعداد المباني إلى جودة الحياة والفضاء العام. مدينة أكثر إنسانية وتنوعاً واستدامة.
كن وسيطاً فاعلاً من المصمم المنفرد إلى مدير الحوار والعمل الجماعي. تحويل الخيال المشترك إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.

الخلاصة

إن مستقبل المدن لا يعتمد فقط على جودة المباني التي ننتجها، بل على جودة العمليات التي نصنع من خلالها هذه المباني والأحياء والفضاءات العامة.

فالمدينة الجماعية هي المدينة التي تعترف بأن العمران مسعى مشترك، وأن السكان ليسوا مجرد مستخدمين، بل شركاء يمتلكون الذاكرة والخيال والقدرة على الفعل.

كما أن المرونة الحضرية لا تقتصر على مواجهة الأزمات البيئية، بل تشمل قدرة المجتمع على الحفاظ على شخصيته وقيمه، والتكيف مع التحولات دون فقدان العدالة والانتماء.

وفي هذا السياق، يصبح المعماري والمخطط مهندساً للتغيير الاجتماعي، لا من خلال فرض حلول جاهزة، بل عبر تصميم أطر العمل، وإدارة التفاوض، وتمكين الناس من المشاركة في تشكيل مستقبلهم.

إن المدن الأكثر عدلاً ومرونة ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر المشروعات، بل تلك التي تمنح سكانها القدرة على البقاء، والوصول، والمشاركة، والتعبير عن هويتهم، وتطوير أماكنهم بمرور الزمن.

ومن هنا فإن التصميم من أجل الإنسان يبدأ بالاستماع إليه، وفهم علاقته بالمكان، وتحويل الخيال الجماعي إلى بيئة مبنية عادلة ومرنة وقادرة على الاستمرار.

مستقبل المدينة الجماعية يكمن في قدرتنا على الحشد والتفاوض وتصميم المكان من أجل الإنسان أولاً وأخيراً.

هذا المقال مقتبس من محاضرة البروفيسور فرانسيسكو سانين ضمن سلسلة حديث التصميم التي تقدمها آركي نت.

Next
Next

استراتيجية التحليل البيئي المبني على البيانات: تحويل المعلومات المناخية إلى معايير تصميمية معمارية