تخطيط مدن الشرق الأوسط: من أدوات السيطرة إلى آفاق التمكين

هذا المقال مقتبس من محاضرة المعماري خالد حاج بكري في أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.

انظروا إلى مدننا لا ككتل من الحجر، بل كميدان للصراع على القوة. رحلة نفهم فيها كيف تحوّل "التخطيط" من حلم بالنهضة إلى أداة للهيمنة والإقصاء — وكيف نستعيده أداةً للتمكين.


مقدمة: ما وراء المخططات الهندسية

يجب أن نتخلص أولاً من الوهم السائد بأن التخطيط العمراني "علم تقني محايد" يقتصر على رصف الطرق. الحقيقة أن التخطيط في مدننا اليوم يمارس نوعاً من العنف البنيوي؛ فهو أداة سياسية وأيديولوجية تُستخدم لتوزيع الموارد والفرص بشكل غير متكافئ. إن الفجوات الطبقية المتسعة وقيود البناء الصارمة التي تخنق ذوي الدخل المحدود ليست أخطاءً هندسية، بل نتائج مقصودة لنظام يحرم المواطن من حقه الطبيعي في التملك.

العدالة العمرانية هي الإطار الأخلاقي والقانوني الذي يضمن "الحق في المدينة" للجميع، عبر تقاطع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لضمان السكن اللائق والوصول العادل للموارد والمشاركة الفعلية في صياغة الفضاء العام دون فصل مكاني أو تهميش.


الإرث الاستعماري: نشوء "المدينة الأوروبية" وانفصال النسيج

في المشرق العربي وشمال أفريقيا، لم يكن التخطيط الاستعماري يهدف لتطوير المجتمعات المحلية، بل لضبطها أمنياً واستنزافها اقتصادياً. أنشأ المستعمر "المدينة الأوروبية" ككيان معزول بأسوار رمزية وتنظيمية بجانب المدن التقليدية، ليحقق الفصل المكاني التام: أمنياً لعزل السكان الأصليين، واقتصادياً لربط الموارد بالمراكز الإدارية الاستعمارية.

وجه المقارنة المدينة الاستعمارية / الحديثة المدينة التقليدية / العضوية
الهدف الأساسي السيطرة الأمنية، إدارة الموارد، والجباية السكن، التكافل، والنمو الإنساني
شكل الطرق شبكات واسعة ومنتظمة (للضبط والرقابة) أزقة متعرجة ونسيج متضام (للتفاعل الاجتماعي)
العلاقة مع السكان السكان "خاضعون" ومنفصلون عن القرار السكان "منتجون" وشركاء في تشكيل الفضاء
مصدر المعرفة نموذج غربي مستورد يُفرض كأداة "تحديث" معرفة محلية تراكمية تنبع من الحاجة والسياق

المأساة الكبرى أن دول الاستقلال لم تفكك هذه المنظومة، بل ورثتها واستخدمت ذات القوانين الإقصائية لخدمة نخب جديدة، مما كرّس التهميش وألبسه ثوب "التنظيم العمراني الحديث".


التخطيط في عصر الليبرالية الجديدة: المدينة كسلعة

لقد انتقلنا من استعمار الجيوش إلى "استعمار السوق". في عصر الليبرالية الجديدة، تخلت الدولة عن دور المنظم العادل لتصبح وسيطاً يخدم "رأس المال". اليوم تتشكل المدن وفقاً لرغبات المطورين العقاريين الكبار والمستثمرين، مما حوّل الأرض من حق إنساني إلى سلعة للمضاربة، وكل ذلك يتم "دون الحاجة لجيوش" بل عبر تشريعات وقوانين سوقية. وتظهر أدوات هذه الهيمنة الجديدة بوضوح في:

  • المجمعات المسورة (Gated Communities): قلاع نخبوية تعمّق الانفصال الطبقي وتخلق "جزر رفاه" وسط محيط من الحرمان.
  • المناطق ناقصة التجهيز: ترك أحياء الغالبية دون خدمات كعقاب غير معلن، بينما تُوجَّه الاستثمارات للمناطق الفاخرة (كما نرى في التناقض الصارخ في مدن مثل دمشق).
  • إعادة التأهيل كغطاء للإخلاء: استخدام شعارات "التحديث" لتجريف أحياء الفقراء وطردهم لصالح مشاريع استثمارية كبرى.

إعادة تعريف الأرض والهوية: من الاستثمار إلى الانتماء

الأرض في ثقافتنا ليست مجرد "أصل عقاري" بل عنوان للكرامة والسيادة الجماعية. إن تحويلها إلى سلعة أدى لارتفاع فلكي في الأسعار، أقصى الشباب وحرمهم من تأسيس أسر، ودفعهم نحو الهجرة أو السكن غير الرسمي المهدد بالهدم.

وعندما نرفع شعار الأرض كأداة تمكين، فنحن نتحدث عن ضرورة شعور المواطن بأن له "مكاناً" ثابتاً في وطنه. هذا الشعور بالامتلاك هو المحرك الحقيقي للمسؤولية المجتمعية والاستقرار السياسي؛ فالإنسان الذي يملك حيزاً في مدينته إنسان متمسك بوطنه، مدافع عن مستقبله. ولتحقيق ذلك، علينا استحضار نماذجنا التاريخية المنسية كـ "الأوقاف".


نماذج بديلة (1): إحياء دور الأوقاف التنموي

تاريخياً، كان الوقف هو الفاعل العمراني المستقل الذي يبني المدن والمدارس والمستشفيات بعيداً عن بيروقراطية السلطة. نحتاج اليوم لاستعادة هذا الدور، لا كـ "وعاء خيري" يوزع المساعدات، بل كمنظومة تمكين اقتصادي ومجتمعي تكسر احتكار الدولة ورأس المال للأرض.

  • تقديم القروض الحسنة: تمويل الفقراء لبناء مساكنهم الخاصة وتحويلهم من مستأجرين مثقلين بالديون إلى ملاك.
  • تطوير الأراضي الوقفية: تخصيص مساحات واسعة ضمن المخططات الحضرية لسكن ذوي الدخل المحدود بعيداً عن منطق الربح العقاري.
  • دعم البنية التحتية الاجتماعية: توجيه عوائد الأوقاف لرفع جودة الحياة في المناطق المهمشة لتثبيت السكان في أراضيهم.
  • منظومة تمكين لا إغاثة: الانتقال من منطق "المستفيد السلبي" إلى تمكين الأفراد ليكونوا منتجين ومساهمين في دورة الوقف.

نماذج بديلة (2): السكان كمطورين لا كمستفيدين

علينا كسر "النموذج الأبوي" في التخطيط. المواطن هو الأدرى باحتياجاته، ويجب أن يُعامل كـ "مطور" لبيئته. وأستحضر هنا تجربة المعمار العظيم حسن فتحي، الذي آمن بقدرة الناس على بناء قراهم بأنفسهم. والمفهوم الثوري هنا هو "بيت النواة"؛ حيث تبدأ الأسرة ببناء غرفة واحدة بشكل قانوني (النواة)، ثم يتوسع الأب ببناء غرف إضافية كلما رُزق بولد أو توفرت الموارد، في نمو عضوي يحترم كرامة الإنسان وموارده المحدودة.

دور الدولة في دعم "البناء الذاتي"

  • توفير أراضٍ مقسمة ومزودة بالبنية التحتية الأساسية فقط.
  • تقديم تصاميم معيارية مرنة ومنخفضة التكاليف تحاكي العمارة المحلية.
  • تسهيل التراخيص العمرانية ومنح "حق البناء التدريجي" دون تعقيدات قانونية.
  • توفير قروض صغيرة ميسرة مرتبطة بمراحل البناء.

التخطيط في بيئة ما بعد النزوح: من الإقصاء إلى الدمج

النزوح ليس أزمة طارئة، بل تحول هيكلي يتطلب تخطيطاً مرناً. إن معاملة المهجرين كـ "عبء مؤقت" وصفة للانفجار الاجتماعي. وعلينا التمييز بين تجربتين:

  • اللاجئ السوري في تركيا: حيث أدى غياب التخطيط التشاركي والدمج في بعض المناطق إلى نشوء أحياء هامشية معزولة تعاني من التوترات.
  • اللاجئ الفلسطيني: الذي استُخدم ضده "التخطيط الإقليمي" كأداة صارمة لمنعه من التوسع أو التملك، مما حوّل المخيم إلى سجن جغرافي وهوية منفصلة عن المدينة.

إن التحدي ليس تخطيطياً بل مفاهيمياً؛ فالمكان العمراني يجب أن يكون فضاءً لتعايش الهويات لا لصراعها، وهذا لا يتحقق إلا بالاعتراف بحق المهجرين في السكن والتملك والاندماج كشركاء في بناء المستقبل.


خاتمة وتوصيات: الطريق نحو عمران عادل

إن التخطيط العمراني هو في جوهره عقد اجتماعي؛ إما أن يكرّس التبعية أو يمنح التحرر. والتحدي اليوم هو إعادة بناء مدننا لتكون مساحات للكرامة الإنسانية، لا منصات للاستثمار العقاري.

  • تفكيك الإرث الاستعماري: مراجعة القوانين التي تكرّس الفصل المكاني وتستخدم التخطيط كأداة ضبط أمني.
  • تمكين التملك الشعبي: ضمان حق كل مواطن في الوصول إلى الأرض عبر نموذج "بيت النواة".
  • تفعيل الوقف كشريك تنموي: تحرير الأراضي الوقفية لتكون وعاءً للسكن الميسر والخدمات المستقلة.
  • الانتقال للتخطيط التشاركي: اعتبار السكان "مطورين فاعلين" وليسوا مجرد مستهلكين للخدمات.
  • دمج المهجرين حقوقياً: الاعتراف بالحقوق العمرانية والملكية للنازحين كجزء من نسيج المدينة الدائم.

"إن «الحق في المدينة» يبدأ من قدرتنا على تخيّل نموذج بديل ينبع من ثقافتنا واحتياجاتنا، نموذج يرى في العمران وسيلة للتحرر وبناء الإنسان قبل الحجر. مدنكم هي هويتكم، فكونوا أنتم من يخطط ملامحها."


هذا المقال مقتبس من محاضرة المعماري خالد حاج بكري في أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.

Next
Next

رحلة التحول المعماري: تطور السكن في بلاد الشام وعمّان