رحلة التحول المعماري: تطور السكن في بلاد الشام وعمّان
هذا المقال مقتبس من المحاضرة الافتتاحية لليوم الرابع للدكتور رامي ضاهر في أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.
أهلاً بكم يا أبنائي الطلبة في هذا اللقاء الذي لن يكون مجرد محاضرة أكاديمية جافة، بل رحلة لاستفزاز عقولكم وإعادة قراءة ما تظنون أنكم تعرفونه عن مدنكم. بصفتي أكاديمياً قضى عمره في تتبع أثر الحجر والناس، أدعوكم لنتساءل معاً: هل العمارة التي ننتجها اليوم تعبّر عن "ذواتنا" أم هي مجرد مديونية ثقافية مفلسة؟
مقدمة: فهم الهوية كعملية تبادل مستمرة
قبل أن نحلل الأنماط، يجب أن نتخلص من النظرة "السكونية" للهوية. الهوية ليست قالباً جامداً أو متحفاً للتاريخ، بل هي "عملية تفاوض" مستمرة. نحن نتحدث هنا عن "الهوية المسامية" (Porous Identity)؛ تلك التي تتنفس وتتأثر بالمحيط. إن هوية بلاد الشام، والسلط وعمان تحديداً، ليست مجرد "هوية إقليمية" ضيقة، بل جزء من "المشهد الحضري التاريخي" (Historic Urban Landscape) الذي يمتد ليرتبط بحوض البحر الأبيض المتوسط، من بيروت ونابلس وصولاً إلى جنوب أوروبا.
"الهوية ليست شيئاً ثابتاً أو سكونياً، بل هي نتاج تبادلات ثقافية وحضارية مستمرة؛ إنها عملية تبادل ثقافي (Cultural Exchange) تستوعب التغير، وتتسم بالمرونة (Malleability) والقدرة على استيعاب الآخر دون فقدان الجوهر."
النمط الأول: بيت الفلاح والبدايات التقليدية
تخيلوا معي بدايات مدينة مثل السلط؛ حيث كانت العمارة ابنة شرعية للأرض. "بيت الفلاح" لم يكن مجرد مأوى، بل تجسيداً لثقافة القبيلة والبداوة (Tribal/Bedouin culture) في سياق الاستقرار الحضري الأول. هو نمط يعتمد على "المنطق الداخلي" للاحتياج والقدرة.
- المادة: الحجر المحلي الخام الذي يربط البناء بطبوغرافيا الأرض.
- الوظيفة: فراغات مرنة تلبي حاجات العائلة الممتدة والنشاط الرعوي/الزراعي.
- الارتباط الاجتماعي: يعكس منظومة الروابط العشائرية قبل ظهور مفهوم "الفردانية" الحضرية.
ومع تدفق الهجرات النخبوية من مدن كبرى كالقدس ونابلس وبيروت ودمشق، بدأ هذا النمط البسيط في التحول تحت تأثير الحداثة العثمانية.
عصر التبادل: نمط القاعة المركزية (Central Hall Typology)
هنا ننتقل إلى مرحلة "البرجوازية المتأخرة" (Late Bourgeoisie). لم يعد البيت مجرد مأوى، بل أصبح بياناً اجتماعياً. يُعد "بيت أبو جابر" في السلط المختبر الحقيقي لهذا التحول، حيث نرى "دوران الأفكار" (Circulation of Ideas) والمواد عابرة للحدود.
| العناصر التقليدية (المحلية) | العناصر الدخيلة المبتكرة (الوافدة) |
|---|---|
| الحجر الأصفر السلطي الدافئ. | الأقواس الثلاثية (Triple Arch): سمة معمارية قادمة من الساحل الفلسطيني. |
| التكيف مع طبوغرافيا الجبل الوعرة. | تفاصيل الـ Art Nouveau: زخارف حجرية ورسومات سقفية مستوردة. |
| مهارة البنّائين المحليين في "العقود". | المواد العابرة للحدود: البلاط الملون والحديد المشغول (Ironwork) من جنوب أوروبا. |
هذا النمط النخبوي مهّد الطريق لنمط أكثر شمولية مع توسع المدن ونمو عمان.
التوسع الحضري: المنزل التجاري وبدايات الحداثة في عمان
يجب أن نسأل أنفسنا: كيف تحولت عمان من قرية في "وسط البلد" إلى مدينة الجبال؟ الإجابة تكمن في "المورفوجينيسيس" (Morphogenesis) أو علم تطور الأنماط. مع تدفق اللاجئين والحاجة للتوسع السريع، ظهر "المنزل الحضري التجاري العماني".
هذا النمط كان "ديمقراطياً" بامتياز؛ فهو لم يعد حكراً على النخبة. اعتمد على تبسيط النظام الإنشائي وتطور التكنولوجيا، مما سمح ببناء سريع وفعال يستجيب لنمو المدينة الانفجاري. لقد كان تطوراً نابعاً من "منطق داخلي" يجمع بين البساطة والوظيفية.
الفيلا المعاصرة والنمط الدولي (International Style)
مع منتصف القرن العشرين، عاد جيل من المعماريين الدارسين في بغداد والقاهرة ولندن وباريس. هؤلاء لم ينقلوا "ستايلاً" بل نقلوا "مدرسة فكرية" هي الباوهاوس (Bauhaus). بدأوا في تكسير "الصندوق الحجري التقليدي" لإنتاج "الفيلا العمانية" المعاصرة.
- تكنولوجية: الخرسانة المسلحة التي سمحت بفتحات واسعة (Spans) وجدران زجاجية (Curtain Walls)، مما ألغى الحاجة للجدران الحاملة السميكة.
- اجتماعية: تحول مفهوم الخصوصية من "الفناء الداخلي" إلى "الحديقة المحيطة"، وتغيرت العلاقة بين الفراغ الخاص والمجال العام.
- تعليمية: تبني فكر الحداثة والنمط الدولي (International Style) الذي يسعى للعالمية مع الاحتفاظ بـ "هيبة" الحجر العماني.
نقد "لعنة المديونية الثقافية" (Kitsch Syndrome)
هنا أتوقف معكم وقفة نقدية حادة. هل كل ما يبدو "تراثياً" هو تراث؟ بالتأكيد لا. أحذّركم من فخ "الكيتش" (Kitsch)، أو ما أسميه "الإفلاس الثقافي". فهناك فرق شاسع بين الإقليمية النقدية (Critical Regionalism) التي تفهم روح المكان، وبين تحويل التراث إلى "سلعة" استهلاكية.
- أمثلة الفشل: "قرية صيفي" في بيروت التي تبدو كبيوت من بسكويت (Gingerbread) أو مطعم الساحة، حيث يُختزل التاريخ في حكايات "ألف ليلة وليلة" للسياح.
- الواقع المرير: انظروا إلى فندق "الريتز كارلتون" على الدوار الخامس في عمان (نسخة 2025)؛ لماذا نعيد طرح العمارة الكلاسيكية العقيمة في قلب مدينة حديثة؟ هذا هو قمة "الإفلاس المعرفي" والتبعية للماضي دون نقد.
الخلاصة: نحو عمارة نقدية ومعاصرة
يا أبنائي، إنتاج المعرفة المعمارية هو "همٌّ معرفي" (Intellectual Concern)، وعملية محفوفة بـ "الألم والعذاب" البحثي. ليست العمارة رصّ أحجار، بل هي "فهم المكان".
علينا أن نتعلم من الرواد الذين فهموا "منطق" المكان وأنتجوا لغة عصرية، مثل راسم بدران وجعفر طوقان وعمار خماش. تأملوا في "سينما الخيام" في السبعينات كيف كانت ابنة عصرها بامتياز، أو كيف تم التعامل مع "جاليري راس العين" و"إضافة بيت زريقات" كأدلة على أن الحداثة لا تعني القطيعة، بل تعني "الاستمرارية الذكية".
ملخص تطور الأنماط المعمارية في بلاد الشام وعمان
| النمط المعماري | المحرك الأساسي للتغيير | السمة البارزة | الرؤية النقدية |
|---|---|---|---|
| بيت الفلاح | الحاجة المعيشية والقبلية | الارتباط العضوي بالأرض | عمارة الفطرة والمنطق المحلي |
| القاعة المركزية | البرجوازية والمتوسطية | الأقواس الثلاثية والحديد | تجسيد التبادل الثقافي النخبوي |
| المنزل التجاري | الهجرات والتوسع الحضري | البساطة والنظام الإنشائي | ديمقراطية السكن وعمانية الهوية |
| الفيلا الدولية | التعليم الأكاديمي والخرسانة | تكسير الصندوق والشفافية | الحداثة كفكر وليس كشكل |
| الكيتش (Kitsch) | الاستهلاك والإفلاس الثقافي | زخرفة "ألف ليلة وليلة" | سلعنة التراث والهروب من العصر |
"لا تكونوا مجرد «رسّامين» لمخططات، بل كونوا مثقفين معماريين. العمارة هي فن إنتاج معانٍ جديدة في أماكن قديمة؛ إنها أن تكون ابن عصرك بكل شجاعة، وابن جذورك بكل عمق."
هذا المقال مقتبس من المحاضرة الافتتاحية لليوم الرابع للدكتور رامي ضاهر في أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.
