رحلة العمران العربي: من أصالة الفريج إلى ضجيج العولمة

هذا المقال مقتبس من محاضرة الدكتور ياسر محجوب ضمن النسخة الأولى من أسبوع العمارة العربي الذي تقدمه آركي نت.

يتناول هذا المقال تحولات الهوية العمرانية العربية، من النسيج التقليدي القائم على الفريج والأزقة والأفنية، إلى المدن المعاصرة التي أعادت تشكيلها القوانين الوافدة، والطفرة النفطية، والعولمة، وهيمنة السيارة والصورة البصرية.


إن البحث في ماهية العمران العربي المعاصر لا يستقيم دون سبر أغوار إشكالية الهوية، وهي إشكالية تتجاوز في عمقها مجرد التساؤل عن الأشكال والمواد، لتصل إلى جوهر الوجود الحضاري.

إننا لا نواجه مشكلات تقنية فحسب، بل إشكاليات فلسفية تعكس اضطرابات المجتمعات وصراعاتها مع الزمان والمكان.

1. مدخل مفاهيمي: ما هي الهوية العمرانية؟

لأجل صياغة فهم نقدي، يجب أن نتأمل مصطلح الهوية بعيداً عن السطحية. فالهوية في لغتنا وفلسفتنا ليست قالباً جامداً، بل كياناً حياً.

  • لغوياً: تُنسب إلى الضمير «هو»، وهي حقيقة الإنسان المطلقة وصفاته الجوهرية. ومن المثير للتأمل أن الهوية في اللغة تعني أيضاً «البئر البعيدة القعر»، مما يشير إلى أن البحث عنها يتطلب صبراً وغوصاً في أعماق التاريخ والذات.
  • فلسفياً: هي حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره، وهي تلك الخصائص التي تمنحه تفرده في مواجهة الآخر.
  • إنسانياً: هي إحساس الفرد بتكامله وقيمه وسلوكه في مختلف المواقع، وفقدانها يؤدي إلى أزمة تجعل الكيان المعماري غير متيقن من مستقبله.

وحول وجود هذه الهوية في العمارة، يمكننا رصد ثلاث فرضيات كبرى تلخص المشهد:

الفرضية التوصيف الفلسفي
الهوية كوجود حتمي ترى أن الهوية موجودة دائماً؛ فالعمارة تعبير صادق عن الظروف الحضرية والسياسية، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
الهوية كعشوائية ترى أن ما نراه اليوم هو نتاج فردي عشوائي واضطراب مجتمعي لا يمثل هوية متفقاً عليها أو نمطاً موحداً.
الهوية كقصد واعٍ ترى أن الهوية لا تتحقق إلا بوعي المعماري والمجتمع، ومن خلال فرضها عبر قوانين وتنظيمات محددة.

إن دراسة الهوية في سياق العمارة العربية ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة لفهم كيف تتحول العملية العمرانية إلى منتج بصري يعكس استقرارنا أو شتاتنا.

الهوية العمرانية ليست شكلاً معمارياً منفصلاً، بل انعكاس لطريقة تفكير المجتمع، وقيمه، وعلاقته بالمكان والزمن.

2. المشهد المعماري قبل الحرب العالمية الأولى: عصر التناغم الاجتماعي

قبل أن تضرب رياح التحولات الكبرى منطقتنا، كان العمران يعيش حالة من الاتساق الأخلاقي. لم يكن البيت مجرد جدران، بل كان تجسيداً لما نسميه أخلاقيات العمران.

أخلاقيات العمران: الدرس النوبي

تتجلى هذه القيمة في قرى النوبة؛ فالهوية هناك لم تكن تسكن في الأحجار فحسب، بل في سلوك الناس.

حين هُجّر النوبيون وسكنوا في بيوت خرسانية غريبة عن بيئتهم، انتقلت معهم أخلاقيات العمران وقيمهم الاجتماعية، مما أثبت أن الهوية الحقيقية تسكن في الإنسان أولاً، وهي التي تشكل المكان حتى في أقسى الظروف.

عناصر المكان التقليدي

تشكلت المدينة العربية القديمة كنسيج إنساني يعتمد على:

  1. الأزقة والحارات: وفرت الأمن والظل والتواصل المباشر.
  2. الفرجان: أحياء سكنية مبنية على الروابط الاجتماعية الوثيقة.
  3. البيوت ذات الأحواش والأفنية: تنفتح نحو الداخل، وتحقق الخصوصية والراحة المناخية والروحية.

في ذلك العصر، كان البنّاء التقليدي يعمل بتكامل مع المجتمع، مستخدماً حواسه لترجمة احتياجات الناس الفعلية.

كان البيت نتاجاً لعملية تشاركية، وليس استعراضاً فنياً منعزلاً، مما خلق نسيجاً عمرانياً هادئاً ومتصالحاً مع ذاته، قبل أن تأتي الصراعات السياسية العالمية لتمزق هذا الترابط.


3. نقطة التحول: أثر الحرب العالمية الأولى والقوانين الوافدة

شكل عام 1914 وما تبعه من أحداث الحرب العالمية الأولى زلزالاً غير وجه الهوية العربية، حيث بدأ الانتقال من الهوية الواحدة إلى هويات مجزأة تحت وطأة الاستعمار.

  • تأثير 1914: أدى تقسيم المنطقة بين إنجلترا وفرنسا إلى دخول المخططات الهيكلية التي فرضت نظماً تخطيطية غريبة عن النسيج المحلي.
  • فرض النظم الغربية: دخل المعماري الأجنبي حاملاً أنماطاً جاهزة، مما أدى إلى قطيعة مع التطور الطبيعي للعمارة المحلية.

ويمكن رصد الفارق الجوهري الذي أحدثته القوانين المستوردة في الجدول التالي:

وجه المقارنة البيت التقليدي «الحوش» النمط الوافد «الفيلا»
فلسفة الانفتاح ينفتح نحو الداخل عبر الفناء لضمان السيادة والخصوصية. ينفتح نحو الخارج مع ارتدادات تفرض مسافات عازلة.
المرجعية التنظيمية العرف الاجتماعي، والاحتياج الإنساني، والحواس. قوانين بناء غريبة ومخططات شبكية صلبة.
حركة التنقل تعتمد على المشاة والترابط السكني. تعتمد على السيارة كعنصر أساسي في تصميم الحي.

إذا كانت القوانين والتقسيمات السياسية قد شكلت جسد المدينة الجديد، فإن النفط جاء ليمد هذا الجسد بصور بصرية لم يسبق لها مثيل، محولاً المدينة من فضاء إنساني إلى ساحة عرض.


4. عصرالعولمة: الزعيق البصري وفقدان الروح

مع تدفق الثروة في النصف الثاني من القرن العشرين، تحول العالم العربي إلى موقع تجارب للمعماريين، وهو ما أنتج واقعاً عمرانياً شديد التعقيد.

  • عمارة العولمة واستعراض الذات: ظهرت الأبراج والمباني الشاهقة لا لتلبية حاجة روحية أو اجتماعية فقط، بل لتكون وسيلة لاستعراض ذات المعماري وفرض حضوره الشخصي على حساب روح المجتمع.
  • مفهوم الزعيق البصري: يصف الدكتور راسم بدران هذا الواقع بالزعيق البصري، وهو نتاج غياب الفضاءات الروحية التي تربط الإنسان بماضيه، واستبدالها بتلوث بصري يصرخ بالأشكال والمواد الغريبة.
  • إلغاء المساحات الإنسانية: أدت هيمنة السيارة في المخططات الحديثة إلى قتل الفريج والزقاق، وفصلت الناس عن فضاءاتهم الاجتماعية التقليدية.
  • التشابه العالمي: كما أشار ريم كولهاس في بينالي العمارة عام 2014، أدت العولمة إلى طمس الهويات الوطنية، حتى أصبح العالم كله يشبه بعضه، وفقدت المدن العربية تميزها التاريخي لتصبح نسخاً باهتة من مدن عالمية أخرى.
حين تتحول المدينة إلى معرض للأشكال، يفقد الإنسان علاقته بالمكان، وتتحول العمارة من تجربة معيشية إلى ضجيج بصري.

5. أزمة الهوية: بين الرومانسية الماضوية واستشراف المستقبل

تتجلى الأزمة اليوم في التذبذب بين الهروب إلى الماضي أو الاستسلام للتقليد، وهي إشكالية تتطلب معالجة عميقة لمفهوم الزمن في العمارة.

  • فخ الاستنساخ: تتمثل النظرة الرومانسية للماضي في محاولة تجميد الهوية عبر استنساخ سطحي لعناصر قديمة، مثل المشربيات، ووضعها كقشور على مبانٍ حديثة. وهو استنساخ يرفض مواجهة الحاضر ولا يستوعب روح التراث الحقيقية.
  • الهوية كعملية: كما يرى تشارلز كوريا ومحمود أمين العالم، الهوية ليست منتجاً نعثر عليه في التاريخ، بل هي مشروع للمستقبل وعملية مستمرة نصنعها ونحن نعالج مشكلاتنا الراهنة بوسائل عصرنا.

مستويات وطرق التعبير عن الهوية

لفهم الهوية اليوم، يجب تحليلها وفق مستويات التعبير، أي المكان الذي تظهر فيه، وطرق التعبير، أي المنهج المستخدم في صياغتها.

أولاً: مستويات التعبير

  1. المستوى الخاص: البيوت والفيلات، وتعبيرها عن الفرد.
  2. المستوى شبه العام: المؤسسات والجمعيات والمباني المجتمعية.
  3. المستوى الرسمي: تعبير الدولة عن سيادتها وفكرها وهويتها العامة.

ثانياً: طرق التعبير المعماري

  • البراجماتي: النقل المباشر للعناصر القديمة بطريقة النسخ واللصق.
  • الأيقوني: خلق رموز معمارية متميزة ومتكررة.
  • التناظري أو الرمزي: وهو المنهج الأعمق، حيث يعتمد على التجريد واستلهام روح الماضي لا شكله الحرفي.

6. نحو فهم هجين وديناميكي للهوية العربية

إن الهوية ليست حالة ثابتة، بل هي مسار تخلفه الحضارة وهي تتحرك عبر التاريخ. ولكي نستعيد بوصلتنا العمرانية، علينا استيعاب مجموعة من الحقائق الأساسية.

  • الهوية تعددية وسلسة: لا توجد هوية عربية واحدة جامدة، بل هويات متنوعة تعكس تعدديتنا الثقافية والزمنية.
  • الهوية زمكانية: ترتبط بلحظة تاريخية ومكان محدد؛ وما كان أصيلاً في الماضي قد يصبح زيفاً إذا تكرر في الحاضر دون وعي.
  • الهوية تُصنع ولا تُستعاد: نحن نطور هويتنا من خلال مواجهة مشكلاتنا الحقيقية، البيئية والاجتماعية والتقنية، وإبداع حلول تخصنا.

خاتمة نقدية

يضعنا المفكر محمود أمين العالم أمام مسؤوليتنا التاريخية، محذراً من أن أخطر ما يهددنا هو جمود الهوية عبر استنساخ الماضي ببلادة، أو مياعة الهوية عبر الخضوع الأعمى لخبرات وتصاميم لا تصلح لواقعنا.

الهوية الحقيقية هي قدرتنا العقلانية والنقدية على إبداع مستقبل يلبي احتياجاتنا الخاصة، دون أن نعزل أنفسنا عن روح العصر.

الخلاصة

إن مستقبل العمارة العربية لا يكمن في استعادة الماضي حرفياً، ولا في تقليد التجارب العالمية دون نقد، بل في إنتاج عمارة تنطلق من احتياجات المجتمع، وتحترم الثقافة المحلية، وتستفيد من أدوات العصر.

فالهوية ليست صورة جامدة، ولا مجموعة عناصر زخرفية جاهزة، وإنما مشروع حضاري متجدد يتطور مع الإنسان والمكان والزمن.

واستعادة المعنى في المدينة العربية تبدأ من إعادة الإنسان إلى مركز العملية العمرانية، وإحياء العلاقات الاجتماعية، والاهتمام بالمناخ والخصوصية والمشاة والفضاء العام، بدلاً من الاكتفاء بإنتاج صور معمارية منفصلة عن الحياة.

إن التحدي الحقيقي أمام المعماري العربي اليوم ليس في الاختيار بين الماضي والمستقبل، بل في بناء جسر نقدي بينهما، يستلهم القيم العميقة للتراث، ويعيد تفسيرها بأدوات معاصرة قادرة على الاستجابة لتحولات المجتمع والبيئة والتقنية.


هذا المقال مقتبس من محاضرة الدكتور ياسر محجوب ضمن النسخة الأولى من أسبوع العمارة العربي الذي تقدمه آركي نت.

Previous
Previous

استراتيجية التحليل البيئي المبني على البيانات: تحويل المعلومات المناخية إلى معايير تصميمية معمارية

Next
Next

دليل فن دمج الطرز: دليلك لاحتراف التوازن البصري