مقترح سياسات إقليمي: مأسسة التخضير التشاركي لتعزيز جودة الحياة في المدن العربية
هذا المقال مقتبس من محاضرة حسن المويلحي ضمن أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.
التخضير ليس ترفاً هندسياً ولا تجميلاً سطحياً، بل أداة استراتيجية لجودة الحياة. حين يصبح الساكن شريكاً في زرع الثقافة قبل زرع الأشجار، تتحول المدينة العربية إلى فضاء أكثر خضرةً وإنسانية.
الإطار الاستراتيجي والسياق المؤسسي للتنمية الخضراء
تواجه المدن العربية في العقد الأخير ضغوطاً عمرانية غير مسبوقة تستوجب تحولاً جذرياً في السياسات الحضرية، من "التخضير الجمالي" السطحي إلى "التخضير التشاركي" كأداة استراتيجية لتحسين جودة الحياة وتحقيق التكيف المناخي. إن هذا التحول ليس ترفاً هندسياً، بل ضرورة لمواجهة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الفضاء العام العربي.
- التكدس السكاني: الضغط المكثف على المناطق السكنية الذي أدى إلى تآكل نصيب الفرد من المساحات المفتوحة وتدهور "رئة المدينة".
- التلوث البيئي: تدهور المصادر الطبيعية وزيادة الانبعاثات في ظل غياب الأحزمة الخضراء الواقية.
- نقص الخبرات الفنية: فجوة معرفية في الكوادر البلدية المؤهلة لتطبيق حلول الاستدامة الحضرية الحديثة.
- التحديات الاقتصادية: محدودية الميزانيات الموجهة للصيانة والإنشاء، مما يجعل النموذج التقليدي للحدائق المركزية غير قابل للاستدامة.
يضطلع المعهد العربي لإنماء المدن (ومقره الرياض) بدور محوري كجهة استشارية وتنسيقية إقليمية، حيث يضم في عضويته أكثر من 650 مدينة عربية، ويعمل عبر ثلاثة برامج رئيسية: السياسات الحضرية، والتدريب، والشراكات. وبدعم فني وتمويلي من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (ومقره الكويت)، تتبلور هذه المبادرة لتحويل الرؤى الأكاديمية إلى واقع تنفيذي.
ويساهم هذا الإطار في تحويل المشاريع من مبادرات معزولة إلى سياسات إقليمية مستدامة عبر "بوابة المعهد الإلكترونية" التي تعمل كـ مركز معرفي إقليمي (Regional Knowledge Hub) يوثّق أكثر من 400 مشروع، مما يمنع تكرار الأخطاء التخطيطية ويضمن تعميم أفضل الممارسات.
مفهوم التخضير التشاركي: من النظريات إلى الممارسة الميدانية
يقوم التخضير التشاركي على فلسفة "الإنتاج المشترك" (Co-production) للفضاء العام، حيث لا يُعتبر الساكن مجرد متلقٍ للخدمة، بل شريك أصيل في زرع الثقافة الحضرية قبل زرع الأشجار.
| وجه المقارنة | التخضير التقليدي | التخضير التشاركي |
|---|---|---|
| نطاق العمل | الحدائق المركزية الكبرى على مستوى المدينة | قلب الحي (Heart of the Neighborhood) والتجمعات السكنية |
| دور السكان | متلقون للخدمة (دور سلبي) | شركاء في التصميم والتنفيذ والإدارة |
| الهدف النهائي | التجميل البصري العام للميادين | تعزيز الانتماء ورفع جودة الحياة اليومية |
وتتوزع محاور التدخل الميداني على ثلاثة مسارات: الرئة الخضراء عبر اختيار مواقع استراتيجية داخل الأحياء تعتمد على الزراعة المحلية وإدارة المياه المستدامة؛ والتخضير التكتيكي بتنفيذ تدخلات سريعة (بين 15 و20 تدخلاً) في الأرصفة والساحات المهملة لخلق تغيير فوري؛ وبناء القدرات بتدريب الكوادر البلدية والطلاب ورفع وعي المجتمع بآليات الصيانة الذاتية. وتكمن قيمة "التخضير التكتيكي" في خلق "كثافة أثر" (Density of Impact) تجعل التغيير ملموساً وغير قابل للتجاهل.
نموذج الحوكمة: الشراكة بين البلديات والجامعات والمجتمع المدني
يعد دمج المؤسسات الأكاديمية كشريك تقني حجر الزاوية في استدامة المشاريع الحضرية، حيث تتحول الجامعات إلى "مختبرات حية" (Living Labs) تخدم المدينة. وتتوزع الأدوار الوظيفية على النحو التالي:
- الممول (الصندوق العربي): تقديم الدعم المالي والرقابة التنموية.
- المعهد العربي لإنماء المدن: الإدارة الفنية والتنسيق الإقليمي والإشراف عبر الخبراء الاستشاريين.
- البلديات/الأمانات: توفير الأراضي والتراخيص والربط بالبنية التحتية.
- الجامعات المحلية: تقديم الدراسات الفنية والتحليل البيئي والإشراف الأكاديمي (مثل دور الجامعة الألمانية الأردنية وجامعة قرطاج).
- الجمعيات المحلية: تنظيم المشاركة المجتمعية وتحديد الأولويات القاعدية للسكان.
وتساهم هذه الشراكة في "تصفير" تكلفة الدراسات الفنية التي كانت ترهق ميزانيات البلديات، وفي المقابل يحصل الطلاب والباحثون على خبرة ميدانية واقعية، مما يضمن جودة تنفيذية تحت إشراف أكاديمي صارم بعيداً عن ضغوط المقاولات التجارية.
تحليل الحالات الدراسية: تونس، عمّان، ونواكشوط
أثبتت الحالات الدراسية مرونة نموذج التخضير التشاركي في التكيف مع تباينات الطبوغرافيا والكثافة:
- تونس (منطقة الخربة): منطقة تجارية مكتظة تفتقر تماماً للمساحات الخضراء. تعاونت بلدية تونس وجامعة قرطاج وجمعية صيانة المدينة لتحويل الساحات المزدحمة إلى فضاءات متنفسة تعيد التوازن للمنطقة.
- عمّان (تلاع العلي): جرى التعامل مع تحدٍ طبوغرافي معقد (فرق منسوب يصل إلى 12 متراً) بين شارعين. نجح التعاون مع الجامعة الألمانية الأردنية في تنفيذ 15 تدخلاً تكتيكياً شملت الأدراج والأرصفة والساحات المنحدرة.
- نواكشوط: تمثل نموذجاً لـ "نقل الخبرات البينية"، حيث جرى الاستفادة من تجربة تونس في مرحلة الإعداد لتحديد مناطق التدخل ذات الأولوية في العاصمة الموريتانية.
وكشفت الدروس المستفادة عن أهمية "التنطيق المكاني" (Spatial Zoning) داخل الفراغ الواحد؛ فالتصميم الناجح هو الذي يخصص زوايا هادئة لكبار السن بجوار مساحات نشطة للأطفال، مما يمنع "الصراعات الاستخدامية" ويضمن شمولية المكان.
نماذج التمويل المستدام والإدارة المالية للمشاريع
تظل معضلة استدامة الصيانة هي العائق الأكبر، مما يتطلب ابتكار حلول تمويلية تعتمد على الشراكة والملكية:
- مقايضة المنفعة (PPP): منح القطاع الخاص امتيازات محدودة (مساحات إعلانية مقننة أو أكشاك استثمارية) مقابل التزام كامل بتمويل إنشاء وصيانة الفراغ العام.
- الملكية كاستراتيجية مالية: تعزيز "شعور الملكية" (Ownership) لدى السكان يقلل جذرياً مما يمكن تسميته بـ "ضريبة التخريب" (Vandalism Tax)، مما يخفض تكاليف الصيانة الدورية.
والهدف هو الوصول إلى مشاريع "ذاتية الإعالة"، تُحرَّر فيها الفراغات العامة من الارتهان للميزانيات الحكومية المتقلبة، وتتحول إلى أصول حضرية تُدار بروح المسؤولية الجماعية.
التحديات الخاصة: الكثافة السكانية وحماية التراث العمراني
يتطلب العمل في المناطق التاريخية توازناً دقيقاً لضمان عدم المساس بالهوية البصرية أثناء التحديث البيئي:
- إحياء النباتات المستوطنة (Native Plants): التركيز على النباتات الطبية والعطرية التي كانت جزءاً من "التراث المحكي" والذاكرة البصرية للمدينة القديمة.
- نقد "المتحفية": رفض تحويل التراث إلى متاحف جامدة للسياح (كما في بعض تجارب مراكش)، والتمسك بنموذج "المدينة الحية" (مثل فاس) حيث يخدم التخضير السكان الأصليين أولاً.
- التخضير التكتيكي العمودي: في المناطق ذات الكثافة الخانقة وندرة الأراضي، التركيز على تخضير المسارات والحوائط والأرصفة كبديل عن المساحات الأفقية المتعذرة.
التوصيات السياسية وخارطة الطريق للتنفيذ
نحو مدن عربية "أكثر خضرة وإنسانية"، يوصي هذا المقترح بتبني السياسات التالية:
- سن "قانون التخطيط من أسفل إلى أعلى": تشريع ملزم للبلديات بإجراء مشاورات حضرية حقيقية ودمج السكان في مراحل التصميم.
- تطوير مؤشرات قياس النجاح (KPIs): الانتقال من قياس "عدد الأشجار" إلى قياس "مدى توفر مورد صيانة دائم" ومعدلات استخدام الفراغ ورضا السكان.
- مأسسة العمل التطوعي: تحويل تطوع الشباب المعماريين من مبادرات فردية إلى برنامج "بناء قدرات مهنية" معتمد وطنياً.
"إن المبادرات الصغيرة هي المحرك الحقيقي للتغيير الكبير. على صناع السياسات في المدن العربية البدء فوراً في مأسسة العلاقة مع الجامعات، وتحويل «التخضير التشاركي» من مشروع تجريبي إلى برنامج عمل وطني يضمن حق المواطن في فضاء حضري كريم ومستدام."
هذا المقال مقتبس من محاضرة حسن المويلحي ضمن أسبوع العمارة العربي السادس على آركي نت.
