العمارة والهوية المكانية: ستة مبادئ نحو عمارة إنسانية وأخلاقية

العمارة والهوية المكانية: ستة مبادئ نحو عمارة إنسانية وأخلاقية

هذا المقال مقتبس من مداخلة د. راسم بدران في افتتاحية أسبوع العمارة العربي الأول، 2020 — ArchiNet.


هل دخلت يوماً بيتاً قديماً لأول مرة — وشعرت وكأنك تعرفه من زمان؟ بينما تمر كل يوم ببرج زجاجي في مدينتك — ولا تشعر أنه يخصّك؟

الإجابة ليست في الشكل. الإجابة في الفلسفة التي بُني عليها كل منهما.

في هذا المقال، نغوص في بيان فلسفي معماري كامل قدّمه د. راسم بدران — يعيد فيه تعريف العمارة ليس كمهنة تصميم مبانٍ، بل كفعل أخلاقي واجتماعي وإنساني. ستة مبادئ تكشف كيف يمكن للعمارة أن تصنع السلم الاجتماعي، أو تدمّره.

1. جوهر الهوية المكانية: بين "من أنا" و"أين أنا"

يطرح د. بدران سؤالاً مفصلياً: الهوية في العمارة ليست زخرفة نختارها ونلصقها على واجهة — بل هي استجابة وجودية عميقة لسؤالين لا ينفصلان.

السؤال الأول: من أنا؟ — البعد الإنساني والسلوكي. كيف يعيش الإنسان يومه؟ كيف يأكل ويتحدث ويستقبل ضيوفه؟ ما منظومة القيم التي تحكم علاقته بالفراغ؟ العمارة التي لا تجيب على هذا السؤال تبقى قشرة فارغة.

السؤال الثاني: أين أنا؟ — البعد الجغرافي والمناخي. قراءة عبقرية المكان الفيزيائية. فالهوية ليست قالباً ثابتاً يُنسخ من مدينة إلى أخرى، بل هي استجابة حيوية تتشكل وفقاً لتضاريس الأرض — من صلابة الجبال وانفتاح السواحل إلى قسوة الصحراء وعطاء الأرض الخصبة.

التنوع المناخي والجغرافي في العالم العربي هو الذي يصيغ ما يسمّيه د. بدران "الهوية المكانية" الأصيلة — حيث يتحول المعماري من "مصمم أشكال" إلى "صانع استجابات" يُطوّع المناخ لصالح الإنسان.

"العمارة التي لا تجيب على تساؤلات الذات والمكان هي عمارة ميتة."
— د. راسم بدران

2. العمارة كفعل اجتماعي: من قداسة المبنى إلى رحابة الأرض

يتجاوز د. بدران الأطر الجغرافية الضيقة ليطرح مفهوم "عمارة المجتمعات الإسلامية" — حيث العمارة ليست مبانٍ منفصلة، بل فعل اجتماعي يشكّل سلوك الإنسان ويُعيد صياغة علاقاته.

وفي قلب هذه الرؤية، يعيد تعريف "المسجد" فلسفياً ووظيفياً:

فلسفة المكان: يؤمن بأن "الأرض كلها مسجد"، وأن القداسة لا تنبع من الحيز المشيد بذاته، بل من فعل الصلاة الذي يمنح المكان قدسيته.

المركز التفاعلي الشامل: يفكك المفهوم التقليدي للمسجد ليعيده قلباً نابضاً للمجتمع — يتجاوز كونه مكاناً للصلاة ليصبح مركزاً تعليمياً ومعرفياً وطبياً واجتماعياً وخدمياً. تفاعل حي لا ينقطع بانتهاء فروض الصلاة.

أما الروحانية المكانية، فتتجلى فيما يسمّيه "التواضع القوي" — حيث يصبح الضوء الطبيعي هو الأداة التعبيرية العظمى. كما في تجربة جامع "صديقي" بإسطنبول، حيث يخلق الضوء وحده قوة تأملية تتجاوز البهرجة المادية — محوّلاً التصميم من وظيفة جافة إلى صلة روحية مستمرة.

3. التراث الحي مقابل التراث المحنّط

هنا يطرح د. بدران واحدة من أكثر أفكاره إثارة: الفرق بين التراث الذي نراه من وراء زجاج — والتراث الذي نعيشه بأجسادنا.

التراث المحنّط: شيء أثري جامد في متحف. ننظر إليه. نلتقط صورة. نمشي. هو منقطع عن الحاضر، يُقدّس الماضي لكنه لا يصنع مستقبلاً.

التراث الحي: خبرة جسدية وحركية كاملة في الحيز العمراني. هو القيروان ومراكش ومكناس والقاهرة القديمة — مدن ما زالت تنبض بالحياة لأنها لم تتحول إلى متاحف مفتوحة، بل ظلت مدناً يسكنها ناس ويعمل فيها تجار ويلعب فيها أطفال.

الرسالة المركزية: ما نراه اليوم "تراثاً" كان في عصره "حداثة" ثورية. المبدعون القدامى لم يقلّدوا من سبقهم — بل استجابوا لظرفهم بإبداع. وهذا بالضبط ما يجب أن نفعله نحن: لا ننسخ الأشكال، بل نتعلم من السلوك الإبداعي الذي جعل تلك المدن تنبض بالحياة حتى اليوم.

"المعاصرة هي استيعاب ظرفنا الحالي بنفس الروح التي امتلكها المبدعون القدامى."
— د. راسم بدران

4. التكنولوجيا الفطرية: استعادة حواس المعماري

يدعو د. بدران إلى ما يسمّيه "ثورة تقنية فطرية" — تقنية تنبع من البحث والاستقصاء، لا من التبعية للمكننة الصماء.

سيادة الحواس: يجب على المعماري أن يستعيد حواسه التي فقدها في عصر التصميم الرقمي الجاف. أن يستلهم روح البنّاء القديم الذي كان يوظّف كل حواسه — اللمس والنظر والسمع والشم — لتحقيق إنجاز إنشائي ذكي.

تطوير الإرث المناخي: يطالب بتحويل الأنظمة التقليدية — مثل التهوية الطبيعية والشخشيخة وأبراج الهواء — إلى حلول تقنية معاصرة مدعومة بالبحث العلمي، بدلاً من الارتهان للتكييف الاصطناعي الذي يفصل الإنسان عن بيئته.

العمارة المتنفسة: الهدف هو عمارة مناخية طيّعة — تستخدم مواد العصر وأدواته لخلق ظرف مناخي مريح. مبنى لا يستهلك الطاقة كآلة — بل يتنفس مع الطبيعة ككائن حي.

5. أخلاقيات العمران: المقياس الإنساني في مواجهة غطرسة الأيقونة

هنا يصل د. بدران إلى أكثر أفكاره حدّة:

تكمن أخلاقية العمارة في انحيازها للإنسان العادي — وفي قدرتها على صياغة السلم الاجتماعي.

ينتقد بصرامة "المركزية الرأسية" والمباني "الأيقونية" الشاهقة — تلك التي تُكرّس شعوراً بالدونية لدى المهمشين وتعلن سطوة الغني على الفقير. هذه المباني لا تبني مدناً — بل تولّد العنف والغربة المكانية.

الأحياء المتراحمة: يسعى لتصميم "الفراغ المسكون" — الذي يربط المسكن الخاص بالبيت الكبير (الفراغ العام). حيث يلتقي الجيران وتتبادل الأجيال المعرفة. التلاحم الاجتماعي ليس شعاراً — بل نتيجة مباشرة لتصميم الفراغ.

ديمقراطية اللغة المعمارية: تبرز تجربته في مناطق مثل ماسبيرو ضرورة التوفيق بين الطبقات عبر "حداثة التصنيع" و"التواضع التصميمي". أن تستخدم لغة معمارية متقنة ومنمّقة للمهمشين — تشبه في دقتها عمارة الأثرياء — هو الفعل الأخلاقي الذي يُذيب الفوارق الطبقية.

"العمارة أداة توافق. مهمتها الأسمى احتواء الإنسان برفق، بعيداً عن صخب المباني التي تصرخ 'أنا' لتسحق 'نحن'."
— د. راسم بدران

6. الخاتمة: الاستدامة كذاكرة جماعية

يختم د. بدران بمقياس مختلف تماماً للنجاح المعماري:

النجاح لا يُقاس بصرخة الإبهار أو ما يسمّى The Wow Factor — فهذه الصرخة تزيد من فرقة المجتمع وتعمّق شعور الغربة لدى عامة الناس.

الاستدامة الحقيقية هي "الاستدامة المجتمعية" — التي تجعل المبنى جزءاً من الذاكرة الحية للناس.

ويتذكر دائماً ذلك الرجل الثمانيني في نجد، الذي حين رأى مشروعاً معاصراً ضخماً قال بصدق: "هذا يذكرني بمنزلي."

هنا تكمن ذروة الإنجاز: أن توجد عملاً معاصراً يتصل بجذور الذاكرة التاريخية دون طلاسم أو تعقيد — موفراً الأمان للجميع.

نداء د. بدران للباحثين والطلاب والمعماريين: تبنّوا نهج "التواضع القوي" — الذي لا يسعى للإبهار الشكلي، بل يسعى لجعل العمارة "المنزل الكبير" الذي يحتضن الجميع تحت سقف من القيم والمساواة الإنسانية.

هل العمارة في مدينتك تحتضنك — أم تُشعرك بالغربة؟


هذا المقال مقتبس من مداخلة د. راسم بدران في افتتاحية أسبوع العمارة العربي الأول، 2020 — ArchiNet.

Previous
Previous

دليل القواعد المرئية: كيف تصمم ملف أعمال “بورتفوليو” يترك أثراً؟

Next
Next

أكثر من مجرد مقعد: 5 حقائق مذهلة ستغير نظرتك لعالم التصميم الصناعي