دليل التصميم المفاهيمي: فلسفة "شرق وشرق" في دمج الهوية والحداثة
هذا المقال مقتبس من محاضرة المصممة ندى دبس ضمن سلسلة حديث التصميم على آركي نت.
التصميم ليس مجرد شكل أو لون. إنه فعل فلسفي يحاول الإجابة على سؤال حضاري عميق: كيف نجمع بين جذورنا وطموحاتنا؟ هذا هو منطلق المصممة ندى دبس في محاضرتها ضمن سلسلة حديث التصميم على آركي نت.
مقدمة: مفهوم "طريق الحرير الشخصي" والتبادل الثقافي
في منهاجنا التعليمي، لا ندرس "طريق الحرير" كمجرد مسار تجاري تاريخي، بل كشريان حي لتبادل الأفكار والتقنيات والحرف. بالنسبة لندى دبس، بدأ هذا الطريق عام 1917 عندما سافر عم والداها من الشرق الأوسط إلى "كوبي" باليابان للعمل في تجارة المنسوجات، لتولد هي هناك وتتشرب الثقافة اليابانية منذ نعومة أظفارها.
رحلتها الشخصية — من اليابان إلى الولايات المتحدة (حيث تعلمت كيف تفكر كمصممة في مدرسة رود آيلاند للتصميم)، ثم المملكة المتحدة، وصولاً إلى بيروت عام 2000 — هي ما نطلق عليه "طريق الحرير الشخصي". هذا التراكم الثقافي علمنا أن التصميم ليس مجرد شكل، بل هو تراكم لخبرات الشعوب وقيمتها الروحية.
"إن أي شيء يُصنع يدوياً هو جميل حقاً. القيمة الحقيقية تكمن في تلك التفاصيل الدقيقة التي تعكس مهارة الحرفي وروحه، وهي الجمالية التي انتقلت عبر طريق الحرير من الصين والهند إلى قلب عالمنا العربي."
الركن الأول: الجمالية اليابانية وجوهر التجريد
تُعلمنا المدرسة اليابانية أن التصميم هو فعل "تطهير" للمادة. الجمال هناك لا يكمن في الإضافة، بل في الوصول إلى "الجوهر" عبر إزالة كل ما هو زائد. إنه مبدأ "أقل هو أكثر" لكن بمعنى روحاني عميق.
مهام المصمم عند تبني الفلسفة اليابانية
- البساطة (Simplicity): تجريد العناصر للتركيز على نقاء الوظيفة والروح.
- الصمت (Silence): خلق مساحة للتأمل؛ فالفراغ في التصميم الياباني ليس عدماً، بل هو عنصر يتنفس.
- التجريد (Abstraction): تحويل الأشكال إلى خطوط نقية تعكس صدق المادة.
التركيز على "أقل هو أكثر" يتجاوز الوظيفة المادية ليكون "هدية للخالق". في اليابان، التأمل والصمت هما وسيلتان للتقرب من الكمال، لذا يجب أن يكون التصميم صافياً وخالياً من الضجيج البصري.
الركن الثاني: الجمالية العربية والإسلامية ولغة الهندسة
خلافاً لليابان، تعبر الثقافة العربية والإسلامية عن الجمال من خلال "المعرفة" والبحث عن اللانهاية. نحن هنا لا نحذف، بل نكرر المعرفة لنصل إلى الوحدة.
مفهوم "المعرفة والتكرار"
استلهمت المصممة هذا المفهوم من رقصة "الدراويش" (الصوفية)، حيث يمثل الدوران والتكرار المستمر للكلمات والمعارف وسيلة للوصول إلى الخالق. في التصميم، تترجم هذه الروحانية عبر "الهندسة المتكررة".
| الرمز التصميمي | المعنى الفلسفي والروحي |
|---|---|
| الدائرة | هي أصل كل الأنماط؛ ترمز للوحدة والأزلية والكمال الإلهي. |
| التكرار الهندسي | يمثل اللانهاية والتدفق المستمر للمعرفة والارتباط بين الأجزاء والكل. |
| الهندسة (الرقش) | وسيلة للبحث عن النظام الكوني؛ تحويل الزخرفة من "ديكور" إلى "وظيفة عاطفية". |
التطبيق الحرفي: تتجلى هذه القوة في حرف "الباركتري" (Marquetry) والموزاييك وتطعيم الصدف، حيث تترجم التعاشيق الخشبية المعقدة فلسفة الوحدة والتنوع.
جوهر الفلسفة: مفهوم "شرق وشرق" — المسار الثالث
مفهوم "شرق وشرق" ليس مجرد مزج بين أسلوبين، بل هو "المسار الثالث" الذي يرفض ثنائية "الشرق مقابل الغرب". إنه الحل الجوهري لـ "أزمة الهوية" التي يواجهها المصممون الشباب؛ حيث لم يعد عليك الاختيار بين كونك عربياً أو حديثاً.
(حرفة يدوية عربية غنية بالهندسة) + (فلسفة "أقل هو أكثر" اليابانية) = حياة جديدة للحرفة التقليدية في قالب معاصر.
هذا الدمج يمنح الحرف التقليدية "طاقة إيجابية" تجعلها قادرة على العيش في الفراغات الحديثة دون أن تبدو كقطع متحفية جامدة.
دراسة حالة: تجديد قاعة جامعة الدول العربية بالقاهرة
في عام 2015، كُلفت ندى دبس من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة بتجديد قاعة جامعة الدول العربية (التي بناها المعماري محمود رياض عام 1955). كان الهدف هو معالجة "الشتات البصري" الذي عانت منه القاعة نتيجة تجديدات غير مدروسة.
الخطوات التقنية والجمالية لتحقيق الوحدة
العنصر التوجيهي (Kite): استخلاص شكل "الطائرة الورقية" (المعين المستطيل) من الألواح الخشبية الأصلية للقاعة، وتحويله إلى "خيط رابط" تتكرر في كل تفصيلة.
تكامل الخامات: تطبيق هذا النمط الهندسي على الرخام في الأرضيات والسجاد وتطعيمات الصدف في المكاتب.
اللون كعنصر ربط وحماية: استخدام اللون "التركواز" (الأزرق المخضر) لربط مدخل المبنى التاريخي بالقاعة الرئيسية، وهو لون مستوحى من الطبيعة ومن "التميمة" (العين الزرقاء) التي ترمز للحماية في ثقافتنا.
التكنولوجيا غير المرئية: دمج أنظمة الصوت والميكروفونات وشاشات العرض وأنظمة التكييف بشكل مخفي تماماً داخل الأسقف والجدران ذات الألواح المثلثية لضمان "الصمت البصري".
تحليل المواد: تم الاعتماد على مواد "نبيلة" لضمان الخلود: خشب الجوز، رخام الترافرتين، ورخام غواتيمالا الأخضر، مع الحفاظ على روح الحرفة المصرية اليدوية.
نصائح للمصمم الطموح: الحرفة والاستدامة والروح
- التفكير المفاهيمي أولاً: تعلم "كيف تفكر" قبل "كيف ترسم"؛ فالمفهوم القوي هو ما يحمي تصميمك من الفشل التجاري أو الزمني.
- الاستدامة هي الجودة: الاستدامة الحقيقية ليست في المواد القابلة لإعادة التدوير فحسب، بل في ابتكار قطع تعيش لأجيال. "العمل اليدوي هو قمة الاستدامة".
- طاقة الحرفة: الحرفي يضع "حبه وتركيزه" في القطعة؛ هذه الطاقة تنتقل للمستخدم وتمنحه شعوراً بالانتماء والراحة العاطفية.
- تحدي الحرفي: لا تكتفِ بما يعرفه الحرفي؛ قدم له مواد حديثة واطلب منه تطبيق حرفته التقليدية عليها لابتكار تقنيات جديدة.
- فن الاستماع: المصمم الناجح ليس عنيداً؛ هو من يستمع لاحتياجات الناس ويحولها إلى فراغات إنسانية حية.
الخاتمة
إن نجاح مشروع تجديد قاعة جامعة الدول العربية — الذي كان ثمرة تعاون بين بيروت والقاهرة والإمارات — يثبت أن التصميم هو جسر عابر للحدود. تذكروا دائماً أن "صوتكم الفريد" كمصممين لن تجدوه في التقليد، بل في دمج تجاربكم الشخصية الصادقة مع أدوات العصر.
ابحثوا عن "شرقكم" الخاص، واجعلوا من تصاميمكم رسالة حب وتقدير لكل يد حرفية لا تزال تبدع في هذا العالم.
هذا المقال مقتبس من محاضرة المصممة ندى دبس ضمن سلسلة حديث التصميم على آركي نت
