الآفاق الزمنية: تباين تصورات الغد بين العالمين العربي والغربي
الآفاق الزمنية: تباين تصورات الغد بين العالمين العربي والغربي
التفاعل بين البيئة والإدراك في نسيج الوجود البشري الواسع يؤثر بعمق على رؤيتنا الجماعية للمستقبل. تستكشف هذه الرحلة الفسيفساء المعقدة للآفاق العربية والغربية تجاه الغد، مع فحص كيفية تشكل البيئات المتنوعة للوعي الجمعي لكل من المجتمعين. تقف جمالية الأراضي القاحلة والكثبان الرملية المتغيرة باستمرار في تناقض مع التلال الخضراء والمناظر الطبيعية الغنية في الغرب، حيث تترك كل بيئة أثرها اللافت على التعبيرات الثقافية، من السرد الادبي والمعتقدات الدينية إلى المعالم المعمارية. مهمتنا هي كشف الخيوط التاريخية التي تنسج معًا مختلف التصورات الزمنية والطموحات
الآفاق الزمنية: تباين تصورات الغد بين العالمين العربي والغربي
التفاعل بين البيئة والإدراك في نسيج الوجود البشري الواسع يؤثر بعمق على رؤيتنا الجماعية للمستقبل. تستكشف هذه الرحلة الفسيفساء المعقدة للآفاق العربية والغربية تجاه الغد، مع فحص كيفية تشكل البيئات المتنوعة للوعي الجمعي لكل من المجتمعين. تقف جمالية الأراضي القاحلة والكثبان الرملية المتغيرة باستمرار في تناقض مع التلال الخضراء والمناظر الطبيعية الغنية في الغرب، حيث تترك كل بيئة أثرها اللافت على التعبيرات الثقافية، من السرد الادبي والمعتقدات الدينية إلى المعالم المعمارية. مهمتنا هي كشف الخيوط التاريخية التي تنسج معًا مختلف التصورات الزمنية والطموحات
الرموز الثقافية والسيمائيات البيئية
في العالم العربي، الصحراء ليست مجرد ظاهرة جغرافية، بل رمز ثقافي عميق مشبع بمعانٍ متعددة. مفهوم "العمل المفتوح" لأومبيرتو إيكو مفيد بشكل خاص هنا. في "العمل المفتوح"، يناقش إيكو الأعمال الفنية والنصوص التي تكون متعمدة النقصان أو التي يكتسيها الغموض، مما يسمح بمجموعة من التفسيرات من قبل الجمهور. عند تطبيق هذا على الصحراء، فإن الظروف القاسية للصحراء وقلة موارد الحياة فيها تدفع ساكنيها لقراءتها بطرق ابداعية ومتجددة باحثاً عن طرق جديدة للنجاة تحت تلك الظروف. لذلك يميل قاطنيها لرؤيتها كنص مفتوح: فسعتها وسيولتها تسمح بتفسيرات ثقافية متنوعة، مما يجعلها رمزًا قويًا لزوال الحياة وشاهداً على مرونة البشر في البقاء على الحياة
بالمقابل، يمكن تحليل المناظر الطبيعية الخصبة والمستدامة للعالم الغربي باستخدام نظرية إيكو عن "النصوص المغلقة"، كما ورد في كتابه "حدود التفسير". النصوص المغلقة هي تلك التي تكون فيها المعاني أكثر تحديدًا وتقييدًا، مما يوجه القارئ أو المراقب نحو تفسيرات محددة. غالبًا ما ترمز المناظر الطبيعية الخضراء ووفرة موارد الحياة المستقرة في الغرب إلى الاستمرارية والاستقرار وإرث يتجاوز هشاشة الحياة البشرية ويعطي شعوراً بالاستغناء
تعمل هذه المناظر الطبيعية كرموز ثقافية لمجتمع يقدر السيطرة ويسعى للدوام للقوة سواء في بيئته أو في منتجاته الثقافية. هذا واضح في السردية الغربية للتقدم، حيث يُنظر إلى السيطرة على الطبيعة من خلال الزراعة والتطوير الحضري كمؤشر على تقدم الإنسان وتفوقه. تُعد التلال الخضراء والجبال الراسخة رمزًا لنظرة عالمية تطمح إلى مستقبل مضبوط ومتوقع وهي مكون رئيسي من وعود الحداثة الغربية
الفن كانعكاس ثقافي
يعد الفن مرآة قوية تلتقط جوهر روح الثقافة. نرى ذلك جليا في العالم العربي، حيث تروي الصحراء حكايات الانتقال ومرونة التكيف، غالبًا ما تجسد التعبيرات الفنية إيقاع الحياة الديناميكي على الرمال المتحركة. تعكس الزخارف العربية المعقدة والأنماط الهندسية الساحرة في الفن الإسلامي القوانين العلمية والنظام الذي يقف عليه هذا العالم المتغير في حالة كينونة مستمرة، لتعكس حاجة العربي التواقة لما يطمئن روحه لتسكن إليها وتجذرها فيما هو ثابت وغير متقلب
على النقيض من ذلك، يعكس الفن الغربي، الذي يتميز بتركيزه على ديمومة المناظر الخضراء، مفاهيم الاستمرارية والملكية، ويظهر ذلك جليًا في عصر النهضة، حيث يُحتفل بانتصارات الإنسان وتمجيد الحياة الدنيوية. فنانون بارزون مثل ليوناردو دا فينشي وميكل انجيلو أبدعوا في رسم الشكل البشري، معتبرين إياه رمزًا للقوة الأبدية، مما يعكس سعي الغرب نحو خلق إرث يبقى على مر العصور. كما يُظهر اهتمامهم بتطوير تقنيات الرسم المنظوري، والتي تعمل على التقاط الواقع وتجسيده في لوحات فنية رغبتاً في تملكها وتوثيقاً لتلك اللحظات عبر الزمن
الدين ورؤية المستقبل
تلعب المعتقدات الدينية دورًا حاسمًا في تشكيل الآفاق الثقافية لما هو آت. في الساحة الصوفية، كتيار روحي ضمن الإسلام، تبرز كمثال فريد على تأثير البيئة على التجربة الدينية. تنشأ الصوفية في مناطق مختلفة، لكن لها جذور عميقة في البيئات الصحراوية التي تغلب على العالم العربي. الصحراء، بامتدادها الواسع وقسوتها، تفرض تحديات خاصة تنعكس في التصوف من خلال التأكيد على فكرة الفناء والتجرد من الماديات
الممارسات الصوفية مثل الذكر والتسبيح الجماعي تهدف إلى تحقيق الوحدة مع إرادة الله، معبرة عن تقدير عميق للحياة كرحلة روحية تتجاوز الارتباطات الدنيوية
تعلم الصحراء الصوفيين كيفية التعايش مع عدم اليقين والتقلبات الحياتية. البيئة القاحلة والمناظر الطبيعية البسيطة تسهم في تطوير منظور يرى الجمال في التقشف ويجد الراحة في العزلة، مما يعزز تقدير اللحظة الحاضرة والبحث عن معنى أعمق في العالم الروحي وبالمقابل جعلته ميالاً للزهد بالدنيا وظواهرها المادية
في المقابل تتبنى العديد من التقاليد الروحية في الغرب، نظرة ترى الكون كمخلوق مرتب ومحدد بأمر إلهي، حيث توجد خطة مسبقة واضحة للمستقبل. هذه المعتقدات التي تعزز فكرة الخلاص ورؤية كونية ثابتة، تسهم في تشكيل منظور يميل نحو الاستقرار والدوام، كما ناقش لين وايت جونيور في مقالته "الجذور التاريخية لأزمتنا البيئية". وفقًا لوايت، فإن هذا النمط من الفكر قد شجع على استغلال الموارد الطبيعية بطريقة قد تكون متعارضة مع الاستدامة البيئية. إن الرؤية الدينية التي تُعلي من شأن الإنسان وتُعطيه السلطة الأخلاقية لتسخير الطبيعة قد سهلت تطوير سياسات تُظهر قلة الاهتمام بالعواقب البيئية طويلة المدى
البيئة العمرانية كشاهد ثقافي
في تفكيك ألغاز العمارة والتخطيط العمراني، تبرز الحاجة الماسة لفهم أعمق للمكونات الفضائية التي تشكل نسيج أي مدينة أو مبنى. يوضح الدكتور وليد أحمد السيد في مقاله (السالب والموجب بين العمارة العربية والغربية في التصميم الحضري) جوهر هذه المقارنة في التعرف على الفروق الجوهرية بين الفضاءات الفراغية في العمارة العربية التقليدية مقابل العمارة الغربية المعاصرة. حيث يوضح أن هذه المساحات، المعروفة بالحيز الفراغي الموجب والسالب، تحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية عميقة تتجلى بوضوح في تخطيطها واستخدامها. الحيز الفراغي الموجب، يتكون من الكتل المعمارية كالجدران والفواصل التي تفصل الداخل عن الخارج وتميز العام عن الخاص. في العمارة العربية، يظهر هذا الحيز بشكل يمكن وصفه بالعفوي وغير المنظم، حيث تتداخل الشوارع والأزقة بشكل يبدو طبيعياً وتدريجياً من المتسع إلى الضيق. هذا التنظيم يعكس البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية التي تعتبر الخصوصية والألفة عناصر مركزية
كما يوضح الدكتور خالد عزب في كتابه "فقه العمران “أن التخطيط الحضري للمدن يستند إلى مبدئين فقهيين رئيسيين هما: حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) "لا ضرر ولا ضرار" والآية القرآنية "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"، هذه المبادئ تشكل أساس التنظيم الذاتي للفضاءات المشتركة والبينية في النسيج العمراني، مما يسمح بتكيُّفه وتفاعله المستمر مع مستجدات الحياة عبر الأزمنة والأمكنة
من ناحية أخرى، تظهر المدن الغربية تخطيطاً معمارياً يركِّز على الحيز الفراغي السالب، حيث تحتل الشوارع والساحات مكانة مركزية، غالباً ما تكون مستقيمة ومنظمة بشكل يبدو مفروضاً على الكتل المعمارية المحيطة. هذا النهج يعكس قيم الوضوح والتخطيط والتنظيم، والتي هي حجر الزاوية في الفكر الغربي المعاصر. مثالًا على ذلك، تخطيط مدينة باريس الذي قام به جورج أوجين هوسمان، حيث تم تصميم الشوارع والبوليفارات بطريقة تسبق الاستيطان وتحدد أساليب الحياة المستقبلية
التحليل المفصل للنظم العمرانية لا يقتصر على الملاحظة السطحية لتوزيع المساحات، بل يمتد ليشمل الدور الذي تلعبه هذه الفضاءات في التأثير على التفاعلات اليومية وتشكيل الهوية الثقافية. من خلال استكشاف هذه الديناميكيات، نستطيع أن نرى كيف تؤثر العمارة والتخطيط العمراني ليس فقط في شكل المدن، بل وفي نسيج حياة من يعيشون فيها، مع مراعاة الفروقات الثقافية والاجتماعية العميقة بين المجتمعات
الخلاصة: جسر الرؤى الزمنية الثقافية مع تجولنا عبر المشهد الغني للتعبيرات الفنية، السرد الأدبي، والمعتقدات الدينية، والتخطيط العمراني للمدن، تبرز الرؤى المتباينة للمستقبل بين العالم العربي والغربي بوضوح.
الصحاري المتغيرة والمناظر الخضراء الثابتة لها تأثير عميق على هذه الرؤى الثقافية، مخلفةً إرثًا دائمًا على التراث الفني، الأدبي، الديني، والمعماري. تدعونا هذه الرؤى الزمنية المتنوعة، المنحوتة من بيئاتها المتباينة، إلى التأمل في الطيف الواسع لطموحات الإنسان ونحن نستشرف مستقبلات غير مكتشفة بع.
في مواجهة التباينات البيئية بين العالم العربي والغربي، تبرز الاختلافات اللافتة في استجاباتهم الوجودية. في النطاق العربي، حيث تتميز الأراضي بقسوتها وندرة المساحات الخضراء، تظهر فلسفة للوجود متأصلة في الزوال بدلاً من الديمومة، مفضلة البرية اللامحدودة على حدود الحضارة. آفاق الصحاري الواسعة تخدم ليس فقط كلوحات لتأمل الكون، بل أيضًا كمسيِّلٍ لتشكيل الروح العربية - روح تتوق لتجسيد الشجاعة، الكرم، الشهامة، والشرف.
في المقابل، نرى كيف أن الغرب، عبر العصور، طور أدوات تمكنه من الاستفادة من موارده وتحسين جودة الحياة، مما أدى إلى حياة أكثر تطورًا وتعقيدًا. ومع ذلك، نرى كيف أن التزام الغرب بقراءته للعالم "كنص مغلق" قد أوصله إلى الصدام مع الطبيعة، مما يضطره اليوم إلى إعادة النظر في طريقته لفهم العالم
لقد زرع هذا الانقسام البيئي أخلاقيات ثقافية متميزة في كليهما: في العالم العربي، روح مرنة مثل الصحراء، تتقبل الزوال. وفي الغرب، روح دائمة مثل التلال الراسخة، تسعى لنقش علامة دائمة على الأرض. وبينما نقف على مفترق طرق هذه الرؤى الزمنية، نُدعى للتفكير في كيفية تشكيل بيئاتنا لرؤيتنا للمستقبل، وأي إرث نختار أن نتركه وراءنا، وكيف يمكن لهذا التباين في المنظور أن يثري استدامة حضارتينا
كتابة المعماري: عبد الرحمن زياد عجينة
جذور عمارة المجتمع العربي
ن كان المجتمع الغربي الحداثي ( كما رأينا في المقال السابق ) قد اختزل الفرد ببعده العلمي وقلل من أهمية الأبعاد الأخرى، فإن العرب قد أعطو النقيض المثالي لما يمكن أن يكون عليه المجتمع إذا ما أختزل ببعده الوجودي، فامتاز عصرهم بالجاهلية من قبل المؤرخين المسلمين، ولكن يجب علينا تجنب الأحكام المسبقة التي تكونت كردة فعل عكسية نتيجة لإسلامهم، ومحاولة فهم المجتمع العربي وخصائصه بشكل موضوعي، وما كانت عليه الحياة من منظورهم، وكيف ساهموا في تشكيل حضارتهم ومدنيتهم الخاصة في العصر الإسلامي
إن كان المجتمع الغربي الحداثي ( كما رأينا في المقال السابق ) قد اختزل الفرد ببعده العلمي وقلل من أهمية الأبعاد الأخرى، فإن العرب قد أعطو النقيض المثالي لما يمكن أن يكون عليه المجتمع إذا ما أختزل ببعده الوجودي، فامتاز عصرهم بالجاهلية من قبل المؤرخين المسلمين، ولكن يجب علينا تجنب الأحكام المسبقة التي تكونت كردة فعل عكسية نتيجة لإسلامهم، ومحاولة فهم المجتمع العربي وخصائصه بشكل موضوعي، وما كانت عليه الحياة من منظورهم، وكيف ساهموا في تشكيل حضارتهم ومدنيتهم الخاصة في العصر الإسلامي
فمعنى العرب في معجم المعاني الجامع هم الصرحاء الخلص، فإذا قلنا أعرب الرجل عن نفسه، أي أنه أظهر ما في داخله، والماء العرب أي الماء إذا صفى، وكذلك إذا قلنا عَرِب الجرح أي تورم و تقيح، فهي بهذا المعنى إزدياد وضوح جوهر طبيعة الأشياء، فاشتهر العرب بالفصاحة والبيان وقدرتهم في التعبير بدقة ووضوح عن أنفسهم، و أما على الصعيد الخارجي، فإن العربي قد ارتبط إسمه بالبداوة من قبل الحضارات التي أحاطت به، ففي النقوش المسمارية ذكر العرب بمعنى البدو ، وتسمى شبه الجزيرة العربية بماط عربي أي أرض البدو، وفي اليمن يسمون البدو السبئيين بأعرب سبأ، ويرتبط العرب إجتماعياً فيما بينهم عن طريق قرابة الدم، فمعروف عن العرب بقبليتهم واهتمامهم بالأنساب لرجوعهم إلى أصل واحد يجمعهم وهو يعرب بن قحطان، فهو أول من أعرب بلسانهم. وانقسمت حياة العرب إلى قسمين، وهما حياة البدو، وحياة الاستقرار، ولما كانت معظم الأراضي صحراوية، فإن نمط الحياة البدوية كان يطبع الحياة العامة بطابعه. ولم تقم المدن والقرى إلا في الواحات الخصبة المنتشرة هنا وهناك في أماكن متفرقة أو في المحطات التجارية للقوافل، فنمت وصارت مدنًا
يمتاز العربي بعشقه لحريته وكرهه للقيود، فتراه حريصاً على إبقاء نفسه وعتاده خفيفاً، "زاهداً فيما سيأتي ناسياً ما قد مضى"، معتمداً على نفسه في كسب مصدر حياته، فالخيمة مصنع مستقل ومتكامل يغطي مختلف إحتياجات البدوي وعائلته، من ملبسٍ ومأكلٍ ومشرب، معولين على حدة سيوفهم وثقافة رماحهم في تأمين قوت عيشهم، محقرين من يكتسب رزقه من مهنته، فهي مشتقة من المهانة والضعف، ونفروا من قاطني المدن، فيقال بأن الميم زائدة بحسب معجم "شمس العلوم"، فهي من مادّة الدَّين، وهو الخضوع تحت برنامج أو مقرّرات يلتزم بها أهل المدينة. ولقد ترتب على تمسكهم بأسلوب حياتهم الحر، إلى تجذرهم على إتساع صحراءهم، وتشربهم لخصائص طبيعتها، فقد تشكل العرب على صورة باديتهم، منفتحين عليها، غير متدرعين بأسوار وتقنيات وسيطة، فشجاعة العربي قرّبته من بيئته، وجعلته شديد الحساسية بها، مهتماً بوصف أدق تفاصيلها، متمعناً بها، مجلياً لأوصافها، موظفاً أصوات حروفه لتعكس صدى وجدانه عنها، متخذاً من اللغة العربية والشعر، مدناً وعلم آثارٍ حية، عابرةٍ للأماكن والأزمان
وشكّل أسلوب حياة العرب خصائصهم، حيث امتازوا كما يصف محمد الطاهر بن عاشور بصفات أربعٍ وهي: جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة، والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم، وهذا ما جعلهم من أكثر المجتمعات أصالة لبيئتهم وأقربهم لفطرتهم، كما يصفها محمد رشيد رضا أنهم كانوا أسلم الناس فطرة، على كون أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فنٍّ وصنعة، مقدمين إصلاح النفس باستقلال العقل والإرادة وحرية الوجدان، على إصلاح ما في الأرض من معدِن ونبات وحيوان
فجاء الإسلام مخاطباً خصائص العرب، فالإسلام ينطلق من الفرد ولا ينتهي عنده، فالدين يحاكي الفطرة، فهي البصيرة الأخلاقية التي من خلالها يميز الإنسان بين الخير والشر، والحسن والقبيح، والنافع والضار، والأنانية والإسراف، ومنها تبدأ المسؤولية على الفرد ليساهم في تشكيل مجتمعه، فهي هيكلية تصاعدية أساسها الفرد، ف"الدين" هو مجموعة الالتزامات والضوابط التي يدين بها الفرد لخالقه ليقوِّم بها فطرته، ملتزماً بمراقبته الذاتية، ومساهماً بما فيه مصلحة له وليغيره، فاستطاع الإسلام بهذا أن يوفق بين فطرة العربي الحرة وبين التزامه بمسؤولياته تجاه مجتمعه، لتنشأ بذلك مدنيته العضوية والخاصة. ويضع ابن القيم أربعة أركان للأخلاق وهي: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فإذا ما طبقت هذه الأركان الأربعة على الفرد، يصبح إرتقاء الإنسان أخلاقياً يتناسب تناسباً عكسياً مع قيمة المادة، و يتناسب تناسباً طردياً مع المصلحة العامة لمجتمعه، فيكون المجتمع ككل أكثر كفاءةً وتكافلاً بازدياد إنسانيته، و يزداد قربه لطبيعته ومن فطرته، والذي يجعل الفرد جزء من كل يكمله، و يكتمل به، فمن خلاله تتم عملية الإصلاح بمفهومها الأوسع، ليشمل كل أبعاده الاقتصادية والثقافية والبيئية، فالدين جاء لتحفيز الفرد على المساهمة في عملية إعمار الأرض وإحيائها
ولم يقتصر مفهوم الإحياء في الإسلام على الإنسان والحيوان و النبات، بل ارتبط ايضاً بإحياء الجمادات، كما نراها في العمارة الاسلامية، إنطلاقاً من خصائص التربة الطبيعية المكنونة بها، فكل مادة لها خصائصها التي تفرض هويتها وطريقة تشكلها، ومن هنا نجد أن اهتمام المسلمين بتطوير الأقواس والمقرنصات والقباب، ما هو إلا انعكاس وتجسيد لمفهوم إحياء الأرض، فكما ارتبطت أعمدة المساجد بأسماء علمائها الذين استقطبوا نفوس طلابهم التي تتوق لترتقي بعقولهم وقلوبهم ، نرى كيف بإحياء خصائص الطوب تتشكل الأقواس مرتكزةً على أعمدتها لتسمو بها إلى السماء وتتشكل على الهيئة الأنقى والأكفأ لها. كذلك نرى الدور الوظيفي لقبب الجوامع من الناحية الإنشائية و الصوتية، والتي كان لها أيضًا وظيفة جمالية، والتي طالما رمزت إلى السماء، التي هي مصدر النور، وقد شبه المعمار سنان القبة التي تعلو مسجد السليمية في أدرنة، التي تبدو للناظر أنها محمولة بالهواء "بالسماء المرفوعة بلا عمد"، لكثرة النوافذ المفتوحة على امتداد محيط قاعدتها. كما نرى بعض المؤرخين والمفكرين الإسلاميين الذين يربطون بين باب المساجد ودعاء دخوله: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك" كمصدر إلهام للمقرنصات التي زينت أبواب المساجد، التي تُشعر بنزول أمطار الرحمة عليهم، كما ربطها آخرون بالنجوم التي تزين السماء. ونرى كيف كسو جدران ساحات مساجدهم وبيوتهم بالزخارف، لتحيي ظلالاً ارتبطت حياتها بحركة شمسها، المتغيرة على مدى العام، ولكي تقلل من مساحة اصطدام اشعة الشمس على جدرانها، مخففتاً من انتقال حرارتها الى الفراغات الداخلية والخارجية. فالعمارة الإسلامية استطاعت الجمع بين الرمزية والوظيفية، وجعلتهم كوحدة واحدة لتؤصل وجودها في الكون. لقد كان “هنري فوسيون “دقيق التعبير حينما قال : ” ما أخال شيئا يمكنه أن يجرد الحياة من ثوبها الظاهر وينقلنا إلى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية ،فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير قائم على الحساب الدقيق قد يتحول إلى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية و معان روحية
وعلى الصعيد العمراني فإنه وكما يذكر عالم الآثار الاسلامية د.خالد عزب في كتابه "فقه العمران"، أن العرب قد اهتموا بمبدأ إحياء الأرض وأعطوه أولوية على العبادات الفردية، واعتمدوا في بنيانهم على قاعدتين إثنين هما "لا ضرر ولا ضرار" و"الأمر بالعرف"، فالأول بأن لا يترتب على البناء ضرر للآخرين أو مضرة منهم عليه، والثاني هو بالإلتزام بالعرف البنائي أو بالبيئة العمرانية المحيطة، والذي ترتب عليهما مبدأ "حيازة الضرر"التي صاغت المدينة الإسلامية صياغة شاملة، و"حيازة الضرر" تعني: أن من سبق في البناء يحوز العديد من المزايا التي يجب على جاره الذي يأتي بعده أن يحترمها وأن يأخذها في إعتباره عند بنائه مسكنه، وبذلك يصيغ المنزل الأسبق المنزل اللاحق، نتيجتاً لحيازته الضرر، مسيطراً على حقوق عديدة يحترمها الآخرون عند بنائهم، و يضيف الدكتور خالد عزب كيف أن الطرق في المدينة الإسلامية لم يتم رسمها وتخطيطها سلفاً، بل تنطلق من أن الطريق حق عام للجميع، ولذلك السيطرة عليه من حق المارة أو المستخدمين له، ويلاحظ أن إتساع الطريق ووظيفته مرهونة بعدد المارة والمستخدمين، فالطريق النافذ من شمال المدينة لجنوبها يسمى الطريق العام، والطرق التي تتفرع منه، وتكون نافذة لجوانب المدينة، تسمى بالطرق العامة الخاصة، والطرق المتفرعة منهما وغير النافذة فهي طرق خاصة ملك لسكانها. ونرى كيف ساهمت انحناءات الطرق على خلق غموض وخصوصية لها تجعل العابرين منها يترددون في الدخول الى أزقتها، وقامت المشربيات بدور كاميرات المراقبة التي تسمح بمراقبة حركة المارة من قبل سكان الحي، مع المحافظة على خصوصية بيوتهم. وفي الكتاب الكثير من الأمثلة التي توضح لنا كيف شكلت الأخلاق عمارتهم بشكل جمعي، حي وعضوي
نستطيع أن نستنتج أن ما قدمه الإسلام للعرب هو بأن جمع شتاتهم ووحدهم على الأخلاق مع إحترام طبيعتهم الحرة التي تمقت القيود، مركّزاً على مفهوم الرقابة الذاتية "التقوى" التي تساعدهم على جلاء جواهرهم وإحيائها، وتوزيع المسؤولية على جميع أفراد المجتمع، وهي الآلية التي من خلالها تشكلت مدنيتهم، فأول ما يشيد في المدن الإسلامية هي الجوامع، لجمعها الناس على إحياء روحهم الأخلاقية وتجديد وحدتهم الاجتماعية. لقد أعطى الإسلام فرصة للعرب بأن يعبرو عن وجدانهم المكتنز طوال آلاف السنين من خلال عمارتهم التي كانت خاصة بظروف زمانهم، والتي جمعت بين الطبيعة البكر والمجتمع الخام، فعمارتهم أرض أحييت لتتشكل من خلال أخلاق أهلها، نجدها آثار أخلاق مجردة وحية، في حالة تساؤلٍ واستجابة وتكونٍ مستمر. واليوم لم يبق لنا منها سوى أطلالها، مفتقدةً من كان يحيي ظلالها، شاهدةً على ما افتقدناه من أخلاقٍٍ، وتكافلٍ وعروبة، مستفزتاً بصمودها كبرياءنا، مقاومتاً ما نعيشه من تصحر خرساني، غير آبهة ببقائها بقدر ما هي مهتمة بإحياء ما تبقى منا
جذور عمارة المجتمع الغربي - بواسطة عبدالرحمن زياد عجينة
سأكمل في هذا المقال عن تبعات إختلاف مفهوم البيئة، و تأثيره على هيكلية المجتمع الغربي الحداثي و و تشكيل عمارته. لقد لاحظنا في المقال السابق كيف أن الاصالة مفهوم نابع من إستجابة الانسان تجاه بيئته الخاصة و تاريخ تفاعل يستمر ليبني مستقبله معها، و من هنا يتحول تركيزنا على كيفية تأثير كلا من المفهوم الغربي و العربي على تشكيل مجتمعاتهما، و كيف يرى الفرد في مجتمعه، و ما هي هيكلة المجتمع في كلا الحالتين، و سأبدأ حديثي عن المجتمع الغربي الحداثي لأنه يمثل واقعنا المعاش و الأكثر تأثيراً و إنتشاراً في العالم
سأكمل في هذا المقال عن تبعات إختلاف مفهوم البيئة، و تأثيره على هيكلية المجتمع الغربي الحداثي و تشكيل عمارته
إنطلاقاً من مفهوم البيئة الغربي الحداثي الذي ناقشنا في المقال السابق و الذي ينطلق من النظر لها من عين سامية، خارجة عنه، فإنه بذلك نكون قد سلمنا بعدة مسلمات، الاولى بأن الإنسان يقع في نفس درجة المواد و الموجودات الحية و الغير الحية، و الثانية بأن العلم منظور منفصل عن البيئة و عن الانسان ، يسمو عنها ليحكم عليها ويمارس سلطته عليها، و الثالثة أن الأصل في الموجودات معرفة من قبل العلم ما لم يتم إثبات عكس ذلك إما من خلال المنهجية العلمية، أو من خلال عدم تطابق النظرية مع الواقع الملموس ليعيد النظر بها و يعيد تصنيفها وترتيبها
يرجع السبب في وجود هذه الهيكلة الإجتماعية التي تفترض منظور أسمى يُنَظِّر للناس حياتهم و يعرِف ما هو الأولى لمصلحتهم إلى فترة ما قبل الحداثة، و الذي إستطاع ماكس فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، أن يربط بين الهيكلة الكنسية للمجتمع الأوروبية بفترة ما قبل الحداثة واستمرارها على ما هي عليه فيما بعدها، بمعنى آخر أن المجتمع الغربي و لوجود ردة فعل على محاربة الكنيسة للحقائق العلمية التي تتعارض معها، قد قامت بإستبدال السلطة البابوية في قمة الهرم بالعلماء و حافظت على نفس الهيكلية الهرمية للكنيسة. فإننا بتقديسنا للعلم نكون قد افترضنا قدسية العلماء، تماما كما يقدسون الرب عن طريق تقديسهم للبابا المعصوم عن الخطأ، و النقطة الثانية أن الكنيسة كانت تمثل نفسها على انها المالك الوحيد للحقيقة عن طريق الوحي الإلهي، و حقائق الوحي الإلهي ليست مرتبطة فقط بما هو كائن بل أيضاً بما سيكون، لأن الوحي عابر للزمان و المكان و متسق مع حقيقة العالم و طبيعته، أما في حالة العلم فإنه مدرك لما إستطاع إدراكه و إثباته العلماء، واستشرافه للمستقبل لا يعدو أن يكون مجرد فرضية لما يمكن أن تكون عليه الحقيقة إذا ما بنيناها على الحقائق العلمية المكتسبة. و النقطة الثالثة وهي أن العلم اللاهوتي و المسلم به يجب أن ينشر من قمة الهرم البابوي إلى بقية أفراد المجتمع، و أن الفرد بتطبيقه التعاليم الإلهية و اكتسابه لها يرتقي في الهيكلية الإجتماعية حتى يصل إلى البابوية. و بتطبيق هذه الهيكلة على العلم، يصبح الانسان وعاءاً مفرغاً لا قيمة له، إلى أن يعبأ من خلال المؤسسات التعليمية والإعلامية بالحقائق العلمية. و يتحول المرء إلى حداثي و غير حداثي ، مؤمن و كافر، إذا ما قسناها بما يناظرها بمفاهيم الكنسية الباباوية، بانتمائه لهذه المنظومة أو بعدمه
قد إستطاع المجتمع الغربي بالفعل تحرير نفسه من جور المؤسسة البابوية الفاسدة عليه، و تحسين جودة الحياة داخل مجتمعه، لينقل حياة الرفاهية التي كانت حكراً على المجتمع الباباوي، كما نراها في قصور التيفولي و في روما، و تغطت من خلال العلم جميع أفراد المجتمع، لكنه و بمحافظته على المنظومة ذاتها قد قام بتحويل الجور الذي كان يطبق عليه إلى سفينة فضاء تسبح في عالم مختلف و مجهول، سواء على صعيد تعامله مع الطبيعة أو المجتمعات المختلفة عنه. فإنها ترى في من لا ينتمي لمنظومة الحداثة على أنها موارد طبيعية خام لم يتم استغلالها بعد، و أنها غير مؤهلة لأن تدير شؤونها بنفسها، وهذا ما أثبته إدوارد سعيد في كتابه "الثقافة و الإمبريالية"، و الذي يذكر فيه كيف استطاعت الحداثة أن توظف الأدب لتصف العالم الغير المكتشف من قبل الغربي على أنه ينتظره ليكتشف كنوزه و ينقذ شعوبه من البربرية و الهمجية، و الطريقة التي كانوا يجلبون فيها الأفارقة و يضعونهم داخل الأقفاص في حديقة الحيوان، كأنها من أنواع القرود التي تم إكتشافها في غابات أفريقيا. و من هنا فإننا نلاحظ أن المشكلة الحقيقية في الحداثة لا تكمن في تقديس العلم، لأن العلم مطلب سامي و مقدس، و لم تكن المشكلة أساساً في الديانة المسيحية، و لكن بفسادها الأخلاقي، و المجتمع الغربي الحداثي باستبداله البابا بالعلماء، و محافظته على الهيكلة نفسها، و عدم تركيزه على الاهتمام بالبعد الأخلاقي و الروحي، قد استحوذ عليه مبدأ المصلحة و القوة و أصبحت عقلانيته المادية هي الطاغية على سلوكه البشري، مختزلتاً بذلك إنسانيته، مسيطرتاً عليه و على تشكيل عالمه
فإذا ما نظرنا للعمارة من خلال هذا المنظور التاريخي لجذور المجتمع الغربي فإننا سنرى إستمرار الطريقة التي كانت الكنيسة توظف فيها الفن و العمارة لتعزيز سلطتها على الناس، بتحويل فناني الكنائس إلى مخرجين و صناع أفلام، يضعون تصوراتهم لما يمكن للعلم أن يوصلنا إليه من حياة رفيهة و متطورة، و المعماريين الى مشكلين لتصورات العلم عن العالم، فبدلاً من ان يكون الفن و العمارة دور محصور في الكنيسة، تحول ليصبح مشكلاً للفضاء الجمعي المعاش معززاً لفكرة الإيمان بالمستقبل العلمي، و جعل المدينة ساحة صراع قوى بصرية لجذب الانتباه، و سباق سيادة المشهد المدني، بإستخدام شتا الطرق المتاحة، إما عن طريق التنافس بالارتفاع كعمارة الابراج، او عن طريق الجمال مثل ابنية المعماري فرانك جيري ، او عمارة المستقبل كعمارة ريم كولهاس المستوحى بعضها من أفلام حرب النجوم، او عمارة التقنية التي تحول المبنى إلى آله مكشوفة كمتحف جورج بومبيدو في باريس، وكل هذه الاشكال و التعبيرات لا يعدو الإنسان فيها أن يكون سوى ممولٍ لها و مالئاً لفراغاتها، لتعبر العمارة من خلاله عن قدرة العلم في خلق مستقبل أفضل للعالم، و التي نجدها سرعان ما اصطدمت رفاهيتها بالواقع، من خلال الإحتباس الحراري و اختراق طبقة الأوزون. فإن الإبقاء على هذا المنظور قد حول العلم الى دين، و المعماري فيها إلى صانع أوث
كيف لنا رسم طرق جديدة لتصور علاقتنا بالبيئة انطلاقًا من فكرنا الخاص؟ - بواسطة عبدالرحمن زياد عجينة
إنطلاقاً من رؤيتنا الخاصة لمفهوم البيئة نرى أن وجودنا يشبه الاقتران الديناميكي اللحظي بين نصفين الفرد وبيئته ، وأن الواقع الملموس للإنسان هو نتاج هذا الاقتران. و لكي نفهم انفسنا و بيئتنا بشكل اصيل نحتاج الى تتبع العملية التي تنشأ منها وساطة الوجود البشري في محيطه الملموس
إنطلاقاً من رؤيتنا الخاصة لمفهوم البيئة نرى أن وجودنا يشبه الاقتران الديناميكي اللحظي بين نصفين الفرد وبيئته ، وأن الواقع الملموس للإنسان هو نتاج هذا الاقتران. و لكي نفهم انفسنا و بيئتنا بشكل اصيل نحتاج الى تتبع العملية التي تنشأ منها وساطة الوجود البشري في محيطه الملموس
و من هنا إذا أردنا ان نعطي مثالاً لتوضيح ما يترتب عليه هذا المفهوم فلن نجد أفضل من الحصان العربي الاصيل الذي يفتخر به العرب عبر العصور، فأصل الخيل جاء من بدو آسيا و أستأنسوها ثم إقتناها العرب، فالخيل منتشر في مختلف أنحاء العالم و أخذ أشكالاً و خصائص متعددة و لكن ما الذي ميز الخيل العربي دوناً عن غيره من الخيول و ما هو معنى أصالته
فسنجد أن أهمية الاشياء تختلف و ترتبط حسب ندرتها وأهميتها في بيئتها و من هنا نجد أن حياة العربي و بيئته قد ساهمت في تشكيل هويته الاصيلة، فالعربي يعرف بالتنقل و الترحال بحثاً عن موارد الحياة و بخوض المعارك و بالتجارة و قطع المسافات الطويلة ، و إذا ربطنا هذا الاسلوب للحياة بالبيئة الصحراوية الصعبة و القاسية فسنجد أن ما يميز الحصان العربي هي درجة الكفاءة التي استطاع الوصول اليها في ظل هذه الظروف، و إن أردنا إستخدام مصطلح أدق فهي بلاغته، لأن الكفاءة تنظر له من البعد الوظيفي البحت، أما البلاغة فتأخذ بالاعتبار أثره على النفس، فإزدياد رشاقة الخيل و سرعته و إستجابته لما تتطلبه مناورات الحروب، زادت أيضاً من جماليته و من أثره على النفس الذي يحرض المستقبل و هو الفارس العربي على التزود من صفاته و تجعله في حاجة الى توصيل هذا الأثر و التعبير عنه لذلك نراه موجوداً في كثيرٍ من شعر العرب فالخيل يتشكل من أسلوب حياة العربي و بيئته و يشكل حياته و صفاته
كذلك العمارة العربية الأصيلة، فإن العربي عندما دخل الأندلس نقل معه حس البلاغة و أهمية و حساسية العربي لموارد الحياة ، فالماء كان يسمى عند العرب بالذهب الأزرق لأهميته في البيئة الجافة و قيمة النباتات له و إختلاف استجابته للجمال و ارتباطها بالرشاقة و الخفة و الشاعرية بسبب الخيل و الشعر، ولا يمكننا تجاهل سمو أخلاقه و إحسانه في تلك الفترة من الزمن و التي إنتقلت معه و نجدها متجليتاً بشكل واضح في عمارة قصر الحمراء و في أعمدته الرشيقة و مقرنصاته التي تسمو بالسقف إلى السماء، و الذي لم يكن يحاكي بها اي شكل من أشكال العمارة المحلية التي كانت ثقيلة و ضخمة، مع أن البيئة كانت نفسها لكلى المجتمعين، إلا أن حساسية العربي تجاه بيئته و تقديره لها جعلته يتأثر بها بشكل أكبر و يعيد صياغة العمارة لتعبر عنه ليسمو بها و تسمو به. فهي علاقة مسار و أخذ و رد و حالة كينونة مستمرة تشكل كل منهما الآخر
و من هنا نتوصل بأن الأصالة لا تباع و لا تشترى، و ليس لها شكل أو وصفه هندسية تصميمية خاصة، بل هي سلوك ينبع من إستجابة الانسان تجاه بيئته الخاصة و تاريخ تفاعل يستمر ليبني مستقبله معها، و لا معنى لحداثة لا تأخذ بالاعتبار منظور قاطنيها و لا تعبر عنهم و عن طريقة حياتهم، و هي خاصة ببيئتها و مجتمعها و تحتاج لتشكيلها الاستفادة من تنوعنا و اختلافاتنا لتستجيب لمختلف أبعاد واقعنا بالشكل الأبلغ. نريد أن نشعر بالارتباط مع الأشياء من حولنا. نحن بحاجة إلى ثورة وجودية ومنطقية للتغلب على الثنائية الديكارتيه ، يعني هذا احترام التاريخ والبيئة ، ليس من خلال محاكاة الأشكال السابقة بعبودية ولكن عن طريق إنشاء أشكال جديدة من وساطة كل مكان، من خلال متابعة تاريخه بدلاً من تجاهله أو تجميده بعمق
العمارة العربية الأصيلة - بواسطة عبدالرحمن زياد عجينة
البحث عن الأصالة في الهوية العربية للعمارة أَرَق فكر الكثير من المهندسين المعماريين وأخذ أَشْكَالاً كثيرة وطرق مختلفة للتعبير عنها، فمنهم من تمسك بالتراث العربي والإسلامي وأخذ يضع الزخارف على المباني الحديثة ومنهم من شكل من الزخارف شكل المبنى ومنهم من تعمق في فهم الماضي ليستنسخ تصاميمه بطابع عصري ومنهم من آثر الانعزال عن المدينة الحديثة والتوجه إلى الريف ليعيد بناء وتشكيل المجتمع انطلاقًاًّ من تشكيل عمارته.
العمارة العربية الأصيلة
البحث عن الأصالة في الهوية العربية للعمارة أَرَق فكر الكثير من المهندسين المعماريين وأخذ أَشْكَالاً كثيرة وطرق مختلفة للتعبير عنها، فمنهم من تمسك بالتراث العربي والإسلامي وأخذ يضع الزخارف على المباني الحديثة ومنهم من شكل من الزخارف شكل المبنى ومنهم من تعمق في فهم الماضي ليستنسخ تصاميمه بطابع عصري ومنهم من آثر الانعزال عن المدينة الحديثة والتوجه إلى الريف ليعيد بناء وتشكيل المجتمع انطلاقًاًّ من تشكيل عمارته.
كل هذه المحاولات نابعة من ضرورة الإجابة عن هذا السؤال والتحدي الذي يواجهنا، ولا بد لنا من تقديرنا لكل هذه المحاولات التي تؤكد مشروعية وأهمية هذا الموضوع وضرورة استمرار موروثنا ليشكل مستقبلنا دون حصول انقطاع وغربة عن ماضينا
لقد أخذ هذا الموضوع جلّ اهتمامي في العشر سنوات الماضية وحرصت في بداية مشواري على فهم مدارس العمارة الحديثة فهم عميقاً قبل الدخول في دراسة العمارة العربية لكي لا أضع نفسي تحت تأثير عاطفتي تجاه عمارة الحضارة الإسلامية
من خلال مسيرتي البحثية في هذا المجال وجدت أن المعضلة تكمن في تحديد نقطة البداية التي يجب الانطلاق منها للبناء على شيء صلب وحقيقي.وفي هذا المقال سأخصص الحديث عن اللبنة الأولى وهي الاختلافات في مفهوم البيئة ومن ثم سأتبعه بسلسلة من المقالات التي تناقش آليات البحث عن العمارة العربية الأصيلة
المفهوم الغربي للبيئة
نجد أن الاختلافات بين الحضارة الغربية والشرقية ليست سطحية وليست شكلية، وان المنظور الذي يشكل العمارة الغربية الحداثية مختلف تماما عما شكل العمارة العربية جَوْهَرِيًّا، فإذا أردنا أن ننظر لتعريف البيئة باللغة الإنجليزية (Environment) فهي مجموعة العناصر الحيوية والكيميائية والفيزيائية التي تحيط بالكائن الحي أو بمجموعة من الكائنات الحية التي تؤثر على وجوده وبقائه
نلاحظ أن المنظور العلمي يسيطر على تعريفه لبيئته فينظر لها من عين خارجة عنه تحكم عليه وعلي الكائنات والموجودات وتضعه في نفس الدرجة وأنها علاقة بين أشياء تتفاعل مع بعضها وتؤثر كل منها على الأخرى. ويعزى هذا المنظور إلى فكر عصر النهضة وتحديداً الازدواجية الديكارتية بين الذات والموضوع، والمعروفة بعبارة أنا أفكر إذا أنا موجود، يصبح تعريف البيئة من هذا المنظور المادي العلمي الذي يحول البيئة إلى مفهوم عالمي وأنها واحدة لجميع الكائنات، ومن هنا نجد رفض الثنائية الحديثة الوساطة بين الذات والموضوع واعتمدت على النظرة العلمية الأحادية وفرضت على جميع الأوساط التجريد الذي أشار إليه ميس فإن دير روه على أنه فضاء عالمي
تتجسد هذه الهندسة المجردة في ما أطلق عليه فيليب جونسون في الثلاثينيات من القرن الماضي النمط الدولي التي تنتشر فيه نفس الخطوط المتوازية في جميع أنحاء العالم
لم يكن ما يسمى برد فعل ما بعد الحداثة أكثر من مجرد تجسيد لنفس المبدأ، واستبدل الحتمية الحداثية في كل مكان، والنتيجة هي ما يسميه ريم كولاس فراغات الخردة، بينما كان يحلبها بسخرية لتحقيق مكاسب شخصية
يصبح المهندسون المعماريون كائنات متسامية تظهر غرورهم من خلال البيانات المعمارية الفردية التي تتجاهل التكوين الحضري عندما يجب أن تنطلق العمارة في الواقع من التاريخ والبيئة
مفهوم البيئة العربي
في المقابل نجد أن تعريف البيئة في اللغة العربية هو المنزل والحال، على قِصَر التعريف واختصاره إلا أننا نجد أنه قد جمع بين البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية والبيئة الرمزية ونرى كيف أن الذات البشرية هي التي تتوسط المشهد دون اختزال. فالمنزل يشعرك بالانتماء والاحتواء وأنه يكتمل معناه بوجودك، والحال يوحدنا مع بيئتنا فيصبح حالنا من حالها، وهي بطبيعتها في حالة كينونة مستمرة وتقلب حي، كما أنه مصطلح عابر للمجالات فهو يشمل حالك وحال بيتك وبيئتك أو حال عملك يمتد ليشمل جميع أبعاد ما حولك
ومن هنا نجد أن المدن العضوية الطينية كانت نتيجة طبيعية لهذا المنظور، لم يكن هناك نظرة استعلاء على الأرض وكانت هناك علاقة شغف واهتمام وانتماء لبيئته مما جعله مهتما بفهم خصائصها واستقراء كل عناصرها وتفاصيلها لتؤثر عليه وتشكله وتعيد تشكيلها بوساطته، فهي علاقة تكامل لا اغتراب واحتواء لا صراع